الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
السلاح والعقيدة والدولة: هل يمكن بناء عراق قوي دون إلغاء الهويات؟
محمد ياوز حسن نجم
باحث ومحلل سياسي عراقي
(Mohammed Y. H. Omar)
2026 / 6 / 2
السياسة والعلاقات الدولية
منذ عام 2003، يعيش العراق حالة فريدة في المنطقة؛ فهو دولة ديمقراطية تعددية من الناحية الدستورية، لكنه في الوقت نفسه يضم قوى سياسية وعسكرية تمتلك عقائد دينية أو أيديولوجية أو قومية مختلفة. ومع كل نقاش حول حصر السلاح بيد الدولة، يظهر سؤال جوهري: هل يعني تسليم سلاح الفصائل للدولة تسليم العقيدة أيضاً؟ وهل الدولة نفسها تمتلك عقيدة بديلة؟
هذا السؤال لا يتعلق بالأمن فقط، بل يمس جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع والهوية السياسية في العراق
التمييز بين العقيدة والسلاح
أحد أكبر الأخطاء في النقاش العراقي هو الخلط بين العقيدة والسلاح
العقيدة هي منظومة أفكار وقيم ومعتقدات تشكل رؤية الفرد أو الجماعة للعالم. أما السلاح فهو أداة مادية لممارسة القوة
يمكن لجماعة أن تتخلى عن السلاح وتحتفظ بعقيدتها بالكامل، كما يمكن لجماعة أن تمتلك السلاح دون أن تمتلك مشروعاً فكرياً واضحاً
من هنا فإن تسليم السلاح للدولة لا يعني التخلي عن الهوية الدينية أو الفكرية أو القومية، بل يعني فقط نقل حق استخدام القوة المسلحة إلى مؤسسة وطنية واحدة تمثل جميع المواطنين
الدولة الحديثة لا تطلب من مواطنيها أن يفكروا بالطريقة نفسها، بل تطلب منهم الاحتكام إلى القانون نفسه
هل للدولة عقيدة؟
من المنظور الليبرالي العلماني، الدولة ليست كنيسة ولا حزباً سياسياً ولا حركة أيديولوجية
الدولة ليست مطالبة بأن تمتلك عقيدة دينية أو مذهبية أو قومية محددة
لكنها تمتلك ما يمكن تسميته "العقيدة الدستورية"، وهي مجموعة المبادئ التي يتفق عليها الجميع
سيادة القانون
المساواة أمام القانون
احتكار استخدام القوة
حماية الحقوق والحريات
التداول السلمي للسلطة
حماية وحدة البلاد وسيادتها
في هذا النموذج لا تسأل الدولة المواطن ماذا يعتقد، بل تسأله فقط: هل يلتزم بالقانون؟
لماذا تفشل الدول عندما تتعدد مراكز القوة المسلحة؟
التاريخ السياسي يقدم قاعدة واضحة
كلما تعددت الجيوش داخل الدولة ضعفت الدولة نفسها
والسبب بسيط
عندما تمتلك عدة جهات حق استخدام القوة، يصبح القرار الوطني موزعاً بين مراكز متعددة، وتتراجع قدرة الحكومة على فرض القانون بالتساوي
وهذا لا يعني أن جميع الفصائل أو الجماعات المسلحة تسعى إلى إضعاف الدولة، لكن وجود أكثر من مصدر شرعي للقوة يؤدي عملياً إلى ازدواجية السلطة
ولهذا السبب لم تنجح أي دولة متقدمة ومستقرة في العصر الحديث مع استمرار تعدد الجيوش الدائمة داخل حدودها
نماذج تاريخية ناجحة
جنوب أفريقيا
بعد سقوط نظام الفصل العنصري، كانت البلاد تضم قوات حكومية وقوات تابعة للمؤتمر الوطني الأفريقي وفصائل أخرى
الحل لم يكن القضاء على العقائد السياسية المختلفة
بل تم دمج المقاتلين في جيش وطني موحد
بقيت الأحزاب محتفظة بأفكارها وأيديولوجياتها، لكن السلاح أصبح تابعاً للدولة فقط
النتيجة كانت انتقالاً سلمياً نسبياً وبناء دولة مستقرة مقارنة بما كان متوقعاً
أيرلندا الشمالية
استمر الصراع لعقود بين القوميين والوحدويين
عندما تم توقيع اتفاق السلام، لم يُطلب من الأطراف تغيير معتقداتها السياسية
بقي كل طرف متمسكاً برؤيته
لكن جرى تفكيك البنية العسكرية تدريجياً وإدماج العمل السياسي في المؤسسات الرسمية
فانتقلت المعركة من الشارع إلى البرلمان
كولومبيا
بعد عقود من الحرب، وقعت حركة فارك اتفاقاً مع الدولة
لم تتخل الحركة عن أفكارها اليسارية
لكنها تحولت من منظمة مسلحة إلى حزب سياسي يشارك في الانتخابات
وبذلك أصبحت المنافسة عبر صناديق الاقتراع بدلاً من البنادق
نماذج فاشلة
لبنان
يمثل لبنان أحد أبرز الأمثلة على إشكالية تعدد مراكز القوة
رغم وجود دولة ومؤسسات دستورية، فإن التوازن بين القوى المسلحة وغير المسلحة خلق أزمات سياسية متكررة وأضعف قدرة الدولة على اتخاذ قرارات سيادية موحدة
النتيجة كانت هشاشة مزمنة في النظام السياسي والاقتصادي
ليبيا بعد 2011
سقوط النظام لم يتبعه احتكار الدولة للسلاح
بل انتشرت الميليشيات المسلحة في أنحاء البلاد
كل طرف امتلك شرعيته الخاصة وسلاحه الخاص
والنتيجة كانت انقساماً سياسياً وأمنياً استمر لسنوات طويلة
أفغانستان
فشلت الحكومات المتعاقبة في بناء مؤسسة وطنية تتجاوز الانتماءات القبلية والفصائلية
فبقي الولاء للجماعة أقوى من الولاء للدولة، وهو ما ساهم في انهيار المؤسسات عند أول اختبار حقيقي
الحل الليبرالي العلماني للعراق
الحل ليس في قمع العقائد
وليس في فرض هوية واحدة على الجميع
وليس في شيطنة الفصائل أو إنكار دورها التاريخي
الحل يكمن في بناء عقد اجتماعي جديد يقوم على خمسة مبادئ
: الفصل بين العقيدة والقوة المسلحة
يحق لأي جماعة أن تمتلك فكراً أو رؤية أو مشروعاً سياسياً
لكن لا يحق لأي جماعة أن تمتلك جيشاً مستقلاً عن الدولة
: دمج الكفاءات لا إقصاؤها
بدلاً من تفكيك البنى القائمة بطريقة صدامية، يمكن دمج الأفراد المؤهلين داخل المؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية وفق معايير مهنية
: تحويل النفوذ العسكري إلى نفوذ سياسي
إذا كانت أي حركة تمتلك قاعدة شعبية حقيقية، فإن الانتخابات هي المكان الطبيعي لإثبات ذلك
القوة الشعبية يجب أن تقاس بعدد الأصوات لا بعدد البنادق
: بناء هوية مواطنة
العراق لا يحتاج إلى إزالة الهويات الدينية أو القومية
بل يحتاج إلى هوية أعلى منها جميعاً: هوية المواطنة العراقية
بحيث يكون الشيعي والسني والكردي والتركماني والعربي والمسيحي والإيزيدي متساوين أمام الدولة
: دولة محايدة تجاه العقائد
الدولة الليبرالية العلمانية لا تعادي الدين
بل تحمي جميع الأديان والمذاهب بالتساوي
فهي لا تنحاز لعقيدة معينة، بل تضمن حرية الجميع في اعتناق ما يشاؤون
الخاتمة
السؤال الحقيقي ليس: هل تسليم السلاح يعني تسليم العقيدة؟
بل السؤال الأهم هو
هل يمكن للعراق أن يبني دولة قوية وعادلة بينما تبقى القوة المسلحة موزعة بين جهات متعددة؟
التجارب العالمية تشير إلى أن الجواب هو لا
أما العقائد والهويات والانتماءات، فهي ليست المشكلة بحد ذاتها. بل هي جزء طبيعي من أي مجتمع تعددي
الدولة الحديثة لا تطلب من الناس أن يفكروا بالطريقة نفسها، بل تطلب منهم أن يحتكموا إلى القانون نفسه
ومن منظور ليبرالي علماني، فإن مستقبل العراق لا يكمن في إلغاء العقائد، بل في تحرير الدولة من الصراع بين العقائد، لتصبح الدولة بيتاً مشتركاً للجميع، والسلاح فيها ملكاً للجميع عبر مؤسساتها الشرعية فقط
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. إسرائيل تحدد شرطها للانسحاب من لبنان.. هل يصطدم بحزب الله؟ |
.. جولة الصحافة | نيويورك تايمز: مذكرة التفاهم منحت إيران نفوذا
.. الدفاع الإماراتية: استهداف ناقلتين وطنيتين بصاروخين إيرانيين
.. انفجارات عنيفة تدوي في إيران وترمب يعلن هدف الضربة
.. خارج الصندوق | مفاوضات إيران تورط نائب ترمب داخل أميركا