الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الحضارة الأوروبية وانفصالها عن الحضارات القديمة

حسن نبو

2026 / 6 / 2
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


يعتقد أغلب المؤرخين في الشرق بشكل عام أن الحضارة الأوروبية الحديثة تمتد جذورها بشكل مباشر إلى الحضارات القديمة التي سبقتها ، كحضارة وادي النيل، وحضارات بلاد الرافدين،(السومرية والاكادية والبابلية والاشورية ) وحضارات بلاد الشام كالعادة الكنعانية والحضارة الفينيقية .. وحضارة ايران او بلاد فارس، وحضارات الشرق الاقصى كالعادة الصينية والحضارة الهندية والحضارة اليابانية، والحضارة اليونانية ...الخ .


غير أن تناول هذه المسألة بشكل علمي وتاريخي محايد يكشف أن الحضارة الأوروبية هي بناء مستقل، نشأ وتطور بمعزل تام عن كل الحضارات القديمة المذكورة ، ولا صلة عضوية أو تاريخية مباشرة تربطه بتلك الحضارات التي وجدت قبل آلاف السنين.

أول ما يثبت هذا الانفصال هو الفاصل الزمني والحضاري الهائل الذي يفصل بين الطرفين. فحضارات مصر القديمة، وحضارات بلاد الرافدين ، بل كل الحضارات القديمة التي ورد ذكر بعضها على سبيل المثال، انتهت واندثرت معالمها، وتلاشت مؤسساتها، وتغيرت لغاتها ومعتقداتها، ومرت على أوروبا قرون طويلة عرفت بـ «العصور المظلمة»، حيث انقطعت فيها كل صلة بالتراث القديم، ولم يبقَ من ذلك التراث سوى شذرات متناثرة لم يكن لها أي تأثير حقيقي في تكوين الفكر أو النظم الأوروبية. فما بين سقوط آخر إمبراطوريات الشرق القديم وبداية تشكل الملامح الأولى للحضارة الأوروبية، مرت قرون طويلة من الانقطاع والانعزال، لم يحدث فيها انتقال للمعارف، ولا تواصل للعادات، ولا استمرار للأنظمة.

ثم إن الخصائص الجوهرية للحضارة الأوروبية تختلف تمامًا عن خصائص الحضارات القديمة التي قامت على أسس دينية ملكية مقدسة، حيث كان الحاكم إلهًا أو نائبًا عن الآلهة، والسلطة مطلقة مركزية، والمعرفة حكرًا على طبقة الكهنة. أما الحضارة الأوروبية، فقد نشأت في البداية كنسيج من المجتمعات القبلية والمدن الصغيرة، ثم تطورت لتقوم على مفاهيم مختلفة تمامًا: مثل الفردية، والقانون الوضعي، والفصل بين السلطات، والبحث العلمي القائم على التجربة لا على النقل المقدس. حتى عندما اطلع الأوروبيون لاحقًا على آثار الحضارات القديمة، كان ذلك مجرد اكتشاف تاريخي، ولم يكن استمرارًا لتراث متوارث، بل تعاملوا معه كمواد للدراسة والاستلهام لا كأساس بنوا عليه حضارتهم.

كما أن الجغرافيا لعبت دورًا حاسمًا في هذا الانفصال. فالحضارات القديمة نشأت في أحواض الأنهار الكبرى ذات الزراعة المستقرة والوحدات السياسية الكبرى، بينما نشأت الحضارة الأوروبية في قارة ذات تضاريس متنوعة، وجزر وشبه جزيرات، مما أدى إلى تكوين مجتمعات متنافسة، ذات نظم سياسية واقتصادية تختلف جذريًا عن نظم الشرق القديم. وحتى الحضارة اليونانية القديمة، التي يُزعم أنها الجذر، هي نفسها انقطعت وتلاشت، ولم تكن هي نفسها التي نشأت منها أوروبا الحديثة، بل كانت مرحلة منفصلة أخرى انتهت قبل أن تبدأ أوروبا رحلتها الحضارية الخاصة.

بناءً على ماورد ، يتضح أن الحضارة الأوروبية هي نتاج ظروفها الخاصة، وتطوراتها الداخلية، وتفاعلات مجتمعاتها على مدار القرون، وهي كيان مستقل بذاته، لم يرث ولم يمتد من حضارات سبقته واندثرت، بل جاء كمرحلة جديدة، ببنيتها الفكرية، ونظمها الاجتماعية، وقيمها التي لم يكن لها وجود في أي حضارة سابقة.

بعض المراجع :
1- القطيعة الحضا ية : أوروبا وبداية التاريخ من جديد / ولد اباه، مفكر ومؤىخ موريتاني
2- هل اوروبا ورثة احضارة اليونانية ام صنعت نفسها بنفسها؟ / شريف يوسف ، باحثفي الفكر القديم
3- العصور المظلمة :الفاصل الزمني الذي قطع الصلة بين القديم والحديث / دولار خالد زيادة ، مؤرخ لبناني

ملاحظات:
مصطلح "العصور المظلمة" ليس حقيقة تاريخية دقيقة، بل هو وصف غير دقيق يرفضه معظم المؤرخين المعاصرين ويعتبرونه مبالغاً فيه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قراءة عسكرية| ليلة سابعة من الضربات الأمريكية.. كيف يتسع الت


.. موجة الـ90 دقيقة.. تكتيك عسكري لاستكمال أهداف لم تصب سابقا




.. ترمب يبحث ضرب موقع نووي إيراني.. وطهران تحذر: الرد سيكون مدم


.. موسكو في مرمى مسيرات أوكرانيا.. واعتداءات إيرانية غير مسبوقة




.. مجتبى يتوارى عن الأنظار.. طهران تكشف أسباب غياب المرشد