الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الزبائنية وشيطنة الاشتراكية
محمد وهاب عبود
2026 / 6 / 2مواضيع وابحاث سياسية
في العراق تبرز إشكالية العقل السياسي العراقي وعلاقته الملتبسة بالمفاهيم، فحين تحدث رئيس الحكومة عن ضرورة الخروج من "الاقتصاد الاشتراكي" والدخول إلى "اقتصاد السوق"، تولد انطباع بأن ثمة مغالطة، وقطيعة معرفية بين لغة المؤتمرات الصحفية والواقع المعاش.
منذ تأسيس الدولة العراقية، لم تعرف هذه البلاد المذهب الاشتراكي بشقه التطبيقي، حيث يتم تأميم القطاعات السيادية كالصحة والتعليم والإسكان والطاقة، وتُدار بإشراف الدولة ضماناً لمنع الاحتكار وتكريسا لروح التضامن والتكافل ولجم التفاوت الطبقي.
كل ما جرى قبل عام 2003 لم يتجاوز كونه شعارات تعبوية، يراد منها تلميع صورة أنظمة شمولية تدّعي الدفاع عن الشرائح المهمشة فيما تمعن في إفقارها وسحق كرامتها. الاشتراكية التي تحدثوا عنها لم تكن سوى رداء خطابي يرتديه الحاكم، ثم يخلعه فور عودته إلى القصر، حيث الصفقات والارتزاق.
بعد الاحتلال 2003، تبدد حتى ذلك الرداء، لتحل محله هوية اقتصادية هجينة مشوهة، زبائنية ريعية، قوامها التخادم بين نخب حاكمة تنهب الريع النفطي وتتقاسمه في غرف مغلقة، الحالة التي يسميها علم الاقتصاد السياسي "كليبتوقراطية"، أي سلطة النهب.
في الجهة المقابلة نسمع "اقتصاد السوق" كما لو كان وصفة خلاص. غير أن التأمل في نشأة الرأسمالية الغربية يكشف أنها لم تهبط من السماء، بل خرجت من رحم سيرورة حضارية – صناعية طويلة، تشابكت فيها مصالح طبقات النبلاء مع ضرورات الإمبراطوريات التي افتقرت إلى النفط والغاز، فاعتمدت الإنتاج أولاً، والتصدير ثانياً، وفتح الأسواق بالقوة ثالثاً. وهذه السيرورة لم تكن بريئة، فشعار "السوق الحرة" كان دائماً مقروناً بشرط غير معلن وهو أن تكون الحرية حكرا لدى الغرب. والدليل المعاصر هو ذلك الانقلاب العلني لأصحاب المذهب على مبادئهم، لحظة دخول الصين كمنافس استراتيجي يهدد هيمنتهم. فالسوق الحرة ليست مبدأً كونياً بقدر ما هي أداة للهيمنة لخدمة المصالح، ويتم التخلي عنها متى تحولت إلى سلاح بيد الخصم.
إن الأنظمة الاقتصادية ليست "معلبات" يمكن استيرادها، فهي أشبه بكائنات حية تولد من تفاعلات التاريخ والخصوصيات الثقافية وموازين القوى الاجتماعية.
فالعراق ليس بحاجة إلى لافتة كبرى تعلق على واجهة الدولة، حاجته الفعلية استعادة المليارات المنهوبة والمهربة إلى الخارج. حاجته إلى وقف نزيف الثروة المتدفق من شرايين النفط إلى جيوب حيتان الفساد. حاجته إلى نظام يمنع أن تكون السياسة باباً للارتزاق والغنى الفاحش على حساب ملايين لا تجد مأوى ولا ماء ولا كهرباء، فيما تعج البلاد بمدارس ومستشفيات ومصارف أهلية، وتلتهم الشركات الأجنبية عقود الطاقة التهاماً.
إن ما يحكم العراق اليوم، وبكل صراحة، ليس اشتراكية تحمي الفقراء ولا رأسمالية تخلق سوقاً تنافسية. إنه نظام يمكن توصيفه بدقة بكلمة من تراثنا الشعبي "فرهود". كلمة تختزن معاني الفوضى والنهب والتدافع غير المنضبط على الغنيمة، حيث تختلط الأوراق ويستطيع كل ذي نفوذ أن يغرف من البحر قبل أن يصل إلى الشاطئ. في "الفرهود" لا قواعد اشتراكية تضبط التوزيع، ولا آليات سوقية تضمن الكفاءة، وإنما شبكة مصالح هائلة تبتلع كل شيء، تاركة وراءها مصطلحات جوفاء، ووعوداً انتخابية طواها النسيان، وتصريحات تحمل بين ثناياها اعترافاً ضمنيا بضياع البلد.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. خلفية التصعيد في هجمات إيران على الأردن • فرانس 24
.. أمريكا تحذر من تصعيد مفاجئ بالمنطقة ومقتل جنديين وفقدان آخر
.. خبير عسكري يكشف سر صاروخ إيران الفرط صوتي الموجه للأردن وسين
.. هجوم مباشر من المرشد الإيراني على الرئيس الأميركي
.. انفجارات عنيفة تدوي في كردستان العراق