الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الكذب والسرقة من تبسيط الوعظ الأخلاقيّ إلى تعقيدات فلسفة العلامات

محمد خريف

2026 / 6 / 2
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


الوعظ الأخلاقيّ نشاط علاماتيّ ينشا من رحم الفلسفة المثاليّة يجسده الكلام باعتباره لسان حال "واعظ أكبر" هو "الله" يوحي لأصفيائه من البشر الأنبياء والرسل فيبلغون رسالته في الأرض والرسالة سبيلها الإسناد النحويّ المفيد إسناد اللغة لا اللغو وما إسناد اللغة إلا مستلهم من منطق الحكمة المتناهية مع منطق الفلسفة المثالية وهي فلسفة الفقه الربّاني تتخذ من الوعظ الأخلاقي سبيل إقناع واقتناع بدوام الآخرة وزوال العاجلة وما صدق اليقين المنشود سوى يقين الرسالة السّماويّة الموروثة أخبارها في غير وفاء مع أخبار المعتقدات سواء أكانت حسية وثنية أو مجرّدة سماويّة وهي منسجمة في الغالب وان كانت تدعي الاختلاف في مبادئ العدل ومنها الاتصاف بالصدق دون الكذب والسرقة وهي مبادئ ظلت عالقة على امتداد القرون بالفكر التنويري منذ أرسطو إلى كانط ولاسيما في معالجة تعريفات الحقيقة وقضاياها الفلسفيّة، فهيمن أمر الصدق دون الكذب على اهتمامات الفلاسفة والمفكرين التويريين عموما وترك أمر الكذب والسرقة للمهمشين من المبشرين بالفلسفة السلبانيّة والأدب السلبانيّ وناره تتقد فيصاعد دخانها ابّان ظهور الرّواية السّلبانيّة مع دون قسيشوط وسارتر وكومستون وبلانشو وغيرهم من علماء السيمياء أمثال أيكو وبارط وغيرهما من فلاسفة البحث في الحقيقة الكذب عامة والكذب السياسي خاصة أمثال هيدغيرو حنة أرندت الراغبة في تخليص تاريخ الكذب من الوعظ الأخلاقي وهي تشبه في ذلك نيتشة الطامح بدوره إلى تخليص تاريخ الخطأ من وازع الوعظ الأخلاقي كما يقول درّيدا في من كتابه " تاريخ الكذب"*ومن هنا تصير مسالة الكذب ومنه السرقة من مشمولات فلسفة السّيمياء الحديثة ،القائمة أساسا على اعتبار التسمية أم باب الكذب و السّرفة وإذا بالاسم علامة كاذبة خادعة تسرق الكائن الطبيعي من ذاته وتحوّله إلى عبد معنويّ مُضاف إلى مٌضاف إليه شبيه باسم "عبد الله"والمسمي إنسان يمسخ إنسانا ينسبته إلى معنى مبهم والمعنى ماهية تجرّد الإنسان الطبيعيّ وتمسخه فيصيرعبد الاه لا صنيعة طبيعة يمّحي وجوده الفيزيائيّ بالتسمية والعبد محكوم عليه بهذا الفهم منذ ولادته أن يكون مسروقا من ربّه كما يقول أرتو ،وان كان "الله" سارقا بتسمية الإنسان لا غير لا دخل له باعتباره ذاتا معنوية في ما يُنسب إليه من أفعال البشر أصدقا كانت أم كذبا أأمانة أو سرقة؟ وما ينسب إلى العبد وخالقه ليس له أن يكون هذا أو ذاك إلاّ بالتسميات ونحو التسميات ،وبلاغة التسميات ومن نحو التسميات نحو الإسناد التقليدي الأخلاقي ورأس التحكم فيه العُمدة أي المسند إليه يشتدّ عُوده ويصْلُب وهما بالفضلة أي المتمّم فيكتسب سلطة الصدق والإيفاء بالمعنى المفيد وان كان ما يُعتبر من المتمّمات في الإسناد الأخلاقي ضربا من العناصر العلاماتيّة السالبة في فلسفة التفكيك السّلبانيّ وليس له أن يكون صادقا أو كاذبا إلا بالتأويل والتأويل المضادّ وهي حالة لا تسلم في الغالب من عدوى الإصابة بجرثومة إضمار حسن النية وسوء النيّة وهي من جراثيم صناعة المعنى الحاصل بفُويْرقات الاختلاف اللفظي وسبيله الإيقاع بالمتقبّل ضحية الغفلة وعدم الوعي الآن هنا بأحابيل الزيف العلاماتيّ وسرقاته والسارق العلاماتيّ كالكاذب العلاماتي نسيج خطاب يكذب على خطاب وبخطاب ، والخطاب يسرق الخطاب ،والسرقة فعل علاماتيّ يغدو بكذبة الخطاب متاهة
مقاربات ومُفارقات توهم برصد المعنى لمفيد المستجيب بهياكل العلامات ونحوها لشروط الكلام المُفيد الصادق دون صدق وما صدقه إلا من صدق لحظة التلفظ وفضائها ورأس أفعى التلفّظ الحبكة و القدرة الفائقة على إخفاء بصمات التمويه والسرقة وهي من قدرة اللافظ على التمثيل والتمثل والتطبّع بطباع صانع مقامات الفعل اللغوي ألتصديقي ومقتضياته بما يحتاجه الترهين الاستعاريّ أي تحيين التسمية من استحضار مؤثّرات الإقناع والاقتناع بأسباب الحجاج بالصوت والصورة ومن الصورة منسوخ الحركة ومن الحركة منسوخ إشارة اليد وإيماءة الرأس وغمزه العين وما إليهما من شارات الإيحاء بنبرات الصوت وإيقاع السجع الدائريّ وسرد ه الكاذب السارق بمفعول رنته وبلاغة تأثيره بحياد المُضي والغيبة، ومن مؤثرات الصوت ذكر شواهد من القسم والدّعاء وشيء من البكاء والعويل إن اقتضى الأمر بالإضافة إلى كل ما يوهم السامع الساذج المتلقي بأنّ الباث صادق يملك الحقيقة إن كان من أولي الأمر أو ضحية يستحق العطف والرحمة إن كان من المتسولين بالكلام فيغدو بذلك التمثيل حقيقة تشهد زورا بصواب كلام الكاذب فيسلب المتقبّل ويسرق منه وعيه فقدرته على التمييز والاختيار فينقاد إلى فاعل مشهده السيميائيّ ومُخرجه انقياد القطيع المسالم في غباء الوعي بمِؤثرات زيف العلامة وسرقتها ، والمسروق قد يكون مادة ومعنى على غرار ما يحصل لجمهور من الناس في حضرة جاهل بالعلم يرتدي قميصا أبيض أوجبة تعلو رأسه عمامة يموّه بلباسه المزوّر جمهور مريديه , ولعلّ لون القميص الأبيض يمثل أداة الكذب على الجمهور وسرقته حيت تهيمن سلطة الرمز المحفورة في الذاكرة الفردية والجماعية ،واللون علامة، والعلامة كاذبة سارقة في منظور سيميائيّة الكذب والسرقة وهي لون وشكل وكلمة والجمهور الضحية قد يصفق للعالم الزائف دون أن يفهم أو يميز بين الصادق والكاذب متأثرا في ذلك بفعل التمثيل فيغفل عن سؤال الشك في علم صاحب القميص الأبيض وفي ذلك إشارة ضمنيّة إلى قوة تأثير الشكل المُغيّب للأكل كما في المقامة المضيرية للهمذاني ،وإذا بالشّكل علامات تبدو خبرا لا يعتريه الشكّ بما لا يحتمل التكذيب في جمل نحويّة مفيدة،ما يجعل المُحاور يقع في فخّ المُنَاوَرة مُنَاوَرة الباث الذي يكذب ويدري أنه يكذب لغاية في نفس يعقوب ،وما الغاية من ذلك إلاّ سلب أي سرقة معنويّة قد تمهّد لسرقة مادّيّة كسرقة الأرض وقهر التولية على الشعوب المنكوبة في العالم بكذبة الحق الرباني الدينيّ ومنظومات الدفاع عن حقوق الإنسان المنتصر بقوة السلاح في العصر الحديث ، والشكل سِمَة أي علامة تمحو المُسمّى الطّبيعيّ وتجرّده فتحوّله معنى أو ماهية تجعله غريبا عن وجٌوده المادّي ومن العلامات الأثر والإشارة فالكلمة والعبارة ومقامات تسويق العبارة وضمان ظروف رواجها في بلاغة الخطيب وهيئته أثناء تلفظه وتأشيراته ومن قرائن الهيئة ما يوهم بالوقار والصدق من رموز ها(كما ذ كر) العمامة و البر نص في مجال الفقه والقميص الأبيض في مجال الحكمة والعلم يهما تُحتكر سُلطة الكلام ويكون لهما بقوّة التأثير ما يضمن تعبئة جمهور الناس وللتأثير و ماله من قوة الزيف والإيهام بالصدق في غير صدق من أجل السّرقة سرقة خطاب الإقناع والاقتناع. وبالعلامة الكاذبة بها يُسْرق الواقع الطبيعيّ ليغدوَ "تحتيّة" صالحة بالمداومة والتحويل فالتحيّل لنشوء "فوقيّة" تصنع بدورها من الأوهام واقعا يتجسّد في قوالب لغويّة جاهزة لتأكيد حقائق زائفة تصبح بضغط اليقين وانعدام الشك قرائن إعجاز ربّاني فأنساني امبرياليّ تدعو إلى التوحيد ورفض الاختلاف وبذلك تتحوّل العلامة الزائفة من التعبير عن فكرة بشريّة إلى نصّ عقيدة الاهيّة في القرون الوسطى أو نظريّة علميّة زائفة في العصر الحديث أو حتى قوّة سياسيّة عالميّة قاهرة.ولعل الحقائق العلميّة منذ القديم إلى عصرنا الحاضر ليست بمنأى عن أن يوصف بعضها أو أغلبها بالزائف أي الكاذب وما الاعتقاد العلميّ الزائف في بعض الحقائق العلميّة الخاصة بالنمو عند داروين وغيرها إلا حاصل اليوم بمفعول العبارة أو المعادلة الرياضية كالسجع وشعارات الفوز في الانتخابات وغيرها من وسائل التقنية الحديثة ما يقتضي التوقّف والمراجعة وفق منظور جديد يتحوّل البحث فيه من تبسيط الوعظ الأخلاقي إلى تعقيد فلسفة العلامات.
*ناقد من تونس

هوامش

: Darwin – Le mensonge de l évolution, éditions, Le jardin des livres, Paris 2009
.** Benjamin Constant- Emmanuel Kant : LE droit de mentir, éditions mille et nuits ,2003
---Martin Heidegger : Etre et Temps, éditions Gallimard 1986
****Jacques Derrida :Histoire du mensonge Prolégomènes, éditions de L’Herne Paris 2005,
Alexander Koyré : Réflexions sur le mensonge, éditions allia 16, rue charlemagne, paris 2024
*ناقد من تونس








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نقاش الساعة - الضربات الأمريكية المتكررة على إيران استنزاف ع


.. نقاش الساعة - أمن الخليج بين التصعيد الأمريكي الإيراني وخيار




.. نقاش الساعة - انفراد أمريكا بقرار الحرب يحمل حلفاءها بالمنطق


.. نقاش الساعة | التصعيد الأمريكي الإيراني يهدد هرمز ويعقد فرص




.. طهران تثبت سيطرتها على هرمز والحرس الثوري يهدد القواعد الأمر