الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الأمل الذي يرحل قبل أصحاب الحقائب
أكرم شلغين
2026 / 6 / 2قضايا ثقافية
حين يتحدث الناس عن الهجرة، فإنهم غالبا ما يختزلونها في سبب واحد: المال. وكأن ملايين البشر الذين يتركون أوطانهم ومدنهم وأصدقاءهم وذكرياتهم إنما يفعلون ذلك فقط من أجل راتب أعلى أو مستوى معيشي أفضل. لكن الواقع أكثر تعقيدا من ذلك بكثير. فلو كانت الهجرة مسألة اقتصادية بحتة، لما رأينا أطباء ومهندسين وأساتذة جامعات وفنانين وأصحاب أعمال يغادرون بلدانهم. ولما رأينا أشخاصا يملكون بيتا مستقرا ودخلا مقبولا يقررون البدء من الصفر في بلاد لا يعرفون لغتها ولا عاداتها. ولو كان المال وحده هو الدافع، لما خاطر آلاف الناس بأرواحهم في البحار والحدود، لأن العقل الاقتصادي البحت لا يبرر أحيانا حجم المخاطرة مقارنة بالمكسب المتوقع.
الهجرة في جوهرها ليست انتقالا من مكان إلى آخر، بل انتقال من شعور إلى شعور. إنها ليست حركة أجساد بين البلدان، بل حركة أرواح تبحث عن فسحة أوسع للحياة. إنها محاولة للهروب من الإحساس بالانسداد. فليس أقسى ما يواجهه الإنسان أن يكون فقيرا، بل أن يشعر أن الغد لن يختلف عن اليوم مهما فعل. والإنسان يحتمل التعب أكثر مما يحتمل العبث. فإذا رأى أن الطريق يؤدي إلى مكان ما، واصل السير. أما إذا شعر أنه يدور في حلقة مغلقة، بدأ يبحث عن طريق آخر ولو قاده إلى أقصى الأرض.
وهذا حال كثير من الشباب العربي الذين لا يشعرون فقط بأنهم فقراء، بل يشعرون أن العالم يتحرك بينما هم ثابتون في أماكنهم. يرون السنوات تمر، ويرون أقرانهم في أماكن أخرى يبنون حياتهم ويخططون لمستقبلهم ويحققون أحلامهم الصغيرة والكبيرة، بينما يقفون هم على هامش الزمن، لا يستطيعون التقدم ولا يستطيعون التراجع. كأنهم يعيشون في منطقة رمادية بين الحياة والموت. ليس الواحد منهم ميتا حتى يستريح، ولا حيا بالمعنى الذي يسمح له بأن يحلم ويخطط وينجز. وقد تسمع صوته الداخلي يقول: "لا أريد أن أصبح ثريا، أريد فقط أن أشعر أن جهدي له قيمة." أو يقول: "لا أبحث عن الجنة، بل عن مكان أعرف فيه أن الغد قد يكون أفضل من اليوم." وقد يقول آخر: "أريد أن أعيش في مكان لا يراقب فيه الناس تفاصيل حياتي أكثر مما أراقبها أنا." ويقول غيره: "أريد أن أخطئ وأتعلم وأختلف وأختار، دون أن أتحول إلى قضية عامة أو هدف لأحكام الآخرين." هذه ليست مطالب اقتصادية، بل مطالب إنسانية. فالإنسان لا يحتاج إلى الخبز وحده، بل يحتاج أيضا إلى الكرامة والأمل والحرية والشعور بالجدوى. ولذلك نجد أن بعض البلدان التي لا تمتلك ثروات طبيعية ضخمة تستقطب المهاجرين من أنحاء العالم، ليس لأنها الأغنى فقط، بل لأنها نجحت بدرجات متفاوتة في بناء مؤسسات وقوانين تمنح الفرد شعورا بأن مستقبله مرتبط بعمله وكفاءته أكثر من ارتباطه بالصدفة أو العلاقات أو الانتماءات الضيقة. ومن هنا يمكن فهم مفارقة تبدو غريبة للوهلة الأولى: فبعض المناطق التي تمتلك ثروات هائلة وتاريخا عريقا ما زالت تصدر أبناءها إلى الخارج، بينما تستقبل دول أحدث عهدا وأقل ثراء بشريا ملايين الوافدين إليها.
المسألة ليست ما يوجد تحت الأرض من ثروات، بل ما يشعر به الإنسان فوق الأرض. وقديما قال سينيكا: "لا توجد ريح مواتية لمن لا يعرف إلى أي ميناء يتجه." ومشكلة كثير من الشباب ليست أنهم لا يملكون سفينة، بل أنهم لا يرون الميناء أصلا. إنهم يبحثون عن أفق. عن شعور بأن الزمن يعمل لصالحهم لا ضدهم. عن مجتمع يسمح لهم بأن يكونوا أنفسهم دون خوف. وعن مكان لا يضطر فيه الأب إلى أن يحلم بسفر ابنه أكثر مما يحلم بنجاحه في وطنه. فالوطن الحقيقي ليس مجرد الأرض التي نولد عليها، بل المكان الذي نستطيع أن نبني فيه حياة قابلة للحياة. ولهذا فإن الناس لا يهاجرون دائما لأنهم يكرهون أوطانهم، بل لأنهم يحبون الحياة التي لم يستطيعوا العثور عليها فيها. إنهم لا يرحلون بحثا عن المال وحده، بل بحثا عن الزمن المفقود، وعن الفرصة المؤجلة، وعن الحق البسيط في أن يشعر الإنسان أن حياته تتقدم إلى الأمام.
وبكلام مختصر، قد يكون السؤال الأهم ليس: لماذا يهاجر الناس؟ بل ما الذي يجعل إنسانا يترك كل ما يعرفه، وكل من يحبهم، ويقبل بالغربة والمجهول؟ الجواب موجع في بساطته: حين يصبح الأمل في مكان آخر أكبر من الأمل في المكان الذي يقف فيه. وأنا لا أكتب هنا عن الهجرة وحدها، بل عن الأمل. فحيث يوجد الأمل يبقى الناس ويصبرون ويتحملون. وحين يتآكل الأمل تصبح الحدود والجوازات والبحار مجرد تفاصيل تقنية في رحلة البحث عن حياة أخرى. لذلك فإن أخطر ما تواجهه المجتمعات ليس أن يغادرها بعض أبنائها، بل أن يكبر جيل كامل وهو يرى مستقبله في مكان آخر. فعندما يتحول سؤال الشباب من: "كيف أبني وطني؟" إلى: "كيف أغادره؟"، لا تكون المشكلة في الهجرة وحدها، بل في الأمل الذي بدأ يرحل قبل أصحاب الحقائب.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. صواريخ توماهوك لألمانيا في مهب الريح | في عمق الخبر
.. كلمة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في ختام قمة مجموعة السبع
.. 500 دبابة مصرية تقلق إسرائيل.. ما الذي تخشاه تل أبيب؟ | #ستو
.. احتفالاً بالنصر على السنغال.. إضاءة مبنى -إمباير ستيت- بألوا
.. ماكرون: شددنا على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان