الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


جمهورية المرايا الكاذبة.

حامد الضبياني

2026 / 6 / 2
قضايا ثقافية


في العراق لا تموت الحكايات، بل تتقمص وجوهًا جديدة وتعود إلى المسرح ذاته، كأن الزمن هنا لا يسير إلى الأمام بل يدور حول نفسه مثل حصانٍ معصوب العينين يجرّ طاحونةً لا تنتج سوى الغبار. وما أشد غرابة هذا البلد الذي كلما حلم بالخلاص استيقظ على نسخة جديدة من الوهم، وكلما فتح نافذة للأمل دخلت منها رياح التكرار، حاملةً معها الوجوه نفسها والأصوات نفسها والعبارات نفسها، حتى ليخيل للمرء أن التاريخ العراقي لم يعد كتابًا مفتوحًا بل أسطوانة مشروخة تعيد المقطع ذاته مهما حاولت تغيير الأغنية.إن المأساة الحقيقية ليست في السياسي الذي يخطئ، فالخطأ من طبائع البشر، وإنما في تلك الجوقة التي تتسابق لتزيين الخطأ حتى يبدو إنجازًا، وتلميع العثرة حتى تبدو قفزةً تاريخية، وتحويل السراب إلى مشروع وطني كامل الأوصاف. فهناك من اكتشف منذ زمن بعيد أن الطريق إلى النفوذ لا يمر عبر الحقيقة بل عبر المبالغة، وأن أقصر الطرق إلى القرب من السلطة ليس قول الصدق بل صناعة الدخان الكثيف حولها حتى تعجز عن رؤية نفسها.لقد تحولت السياسة في كثير من الأحيان إلى مرآة مقلوبة؛ فالذي يحذر يصبح مشاغبًا، والذي ينتقد يتحول إلى متهم، والذي يطالب بالإصلاح يوصف بأنه معرقل، بينما يصبح المصفق حكيمًا، والمبرر خبيرًا، والمتلون صاحب رؤية استراتيجية. وهكذا تنقلب المفاهيم كما تنقلب القوارب في الأنهار الهائجة، فلا يعود أحد يعرف أين تبدأ الحقيقة وأين ينتهي التمثيل.والعجيب أن بعض أهل السلطة ما زالوا يعتقدون أن الجماهير يمكن خداعها إلى الأبد عبر الصور اللامعة واللقاءات الودية والابتسامات المحسوبة بعناية. كأن العراق مجرد شاشة تلفاز ضخمة يمكن تغيير الواقع فيها بتعديل زاوية التصوير. وكأن المواطن الذي ينتظر راتبه أو دواءه أو حقه الضائع في دهاليز المؤسسات سيقتنع بأن كل شيء بخير لمجرد أن الكاميرا التقطت صورة ناجحة أو أن أحدهم كتب منشورًا مفعمًا بالمديح.لكن الحقيقة أكثر عنادًا من كل آلات التجميل السياسية. فالحقيقة لا تسكن في الشاشات بل في الشوارع، لا تختبئ في المؤتمرات بل تظهر في طوابير الانتظار، لا تعيش في البيانات الرسمية بل في عيون الناس وهم يفتشون عن حياةٍ أقل قسوة. هناك، بعيدًا عن عدسات التصوير، يقف العراق الحقيقي؛ عراق الأرامل والمتقاعدين والعاطلين والطلبة والمرضى والناجين من خيبات متراكمة أثقل من الجبال.
لقد أصبح لدينا فائض في الخطب ونقص في الأفعال، وفائض في الشعارات ونقص في العدالة، وفائض في الاحتفالات ونقص في الإنجازات. حتى بدا المشهد وكأن الدولة تحولت إلى شاعر رديء يكتب قصائد طويلة عن المطر بينما الناس تموت عطشًا. وما أكثر الذين يتحدثون عن الوطن حتى ليكاد المرء يظن أن الوطن بخير، ثم يلتفت حوله فيكتشف أن الوطن ما زال يبحث عمن يتحدث باسمه لا عمن يتحدث عنه.إن أخطر ما يهدد العراق اليوم ليس خصومه الظاهرون، بل أولئك الذين يرتدون أقنعة المحبة وهم يبيعون الوهم بالجملة. أولئك الذين يقنعون كل مسؤول جديد بأنه معجزة سياسية هبطت من السماء، وأن الشعب يعشق خطواته قبل أن يخطوها، وأن النجاح تحقق قبل أن يبدأ العمل. إنهم لا يخدمون السلطة بل يخدرونها، ولا يحمون الدولة بل يعزلونها عن الواقع، لأن الحاكم الذي يسمع المديح فقط يشبه مريضًا يمنعه الأطباء الكذبة من معرفة مرضه حتى يفاجئه الموت.وفي هذا الشرق المتعب من الحروب والانقسامات تبدو المأساة أكبر من حدود العراق. فالمنطقة كلها تعيش زمن المرايا الكاذبة؛ دول تتحدث عن الاستقرار وهي ترتجف من الداخل، وقوى تتحدث عن السيادة وهي معلقة بخيوط الخارج، وأحزاب ترفع رايات الإصلاح بينما تتغذى على الخراب الذي تزعم محاربته. الجميع يتحدث عن الإنقاذ، لكن السفينة ما زالت تتسرب إليها المياه من كل الجهات.إن العراق لا يحتاج إلى بطل جديد بقدر حاجته إلى فكرة جديدة. لا يحتاج إلى مزيد من المصفقين بل إلى مزيد من الصراحة. لا يحتاج إلى خبراء في صناعة الصورة بل إلى رجال دولة يعرفون أن الصورة لا تطعم جائعًا ولا تعالج مريضًا ولا تعيد حقًا مسلوبًا. فالدولة ليست مهرجانًا دائمًا للمديح، بل عقد أخلاقي بين السلطة والناس، وإذا انهار هذا العقد فلن تنقذه كل قصائد الثناء في العالم.لقد تعب العراقي من رؤية الوجوه وهي تتبدل بينما تبقى المعاناة ثابتة كأنها أحد أركان الدستور غير المكتوبة. تعب من انتظار العدالة التي تأتي متأخرة، والخدمات التي تأتي ناقصة، والوعود التي تأتي كاملة ثم ترحل كاملة أيضًا. حتى صار الأمل نفسه يمشي بحذر في هذه البلاد خوفًا من أن يتحول إلى خيبة أخرى.ولذلك فإن السؤال الذي يطارد العراق اليوم ليس من يجلس على الكرسي، بل ماذا سيفعل بالكرسي؟ هل سيجعله منصة لإصلاح ما تهدم أم يتحول هو الآخر إلى جزء من أثاث الأزمة المزمن؟ لأن التاريخ لا يتذكر عدد المصفقين الذين أحاطوا بالحاكم، بل يتذكر عدد الجراح التي استطاع أن يداويها. ولا يسأل عن الصور التذكارية، بل عن المدارس والمستشفيات والعدالة والكرامة والسيادة.أما الطبول فستظل تدق لكل قادم جديد، والمرايا ستظل تعرض النسخة التي يحب أصحابها رؤيتها، لكن الأوطان لا تُقاس بصوت الطبول ولا ببريق المرايا، بل بما يبقى بعد أن يصمت التصفيق ويغادر الجميع وتبقى البلاد وحدها أمام حساب الحقيقة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. صواريخ توماهوك لألمانيا في مهب الريح | في عمق الخبر


.. كلمة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في ختام قمة مجموعة السبع




.. 500 دبابة مصرية تقلق إسرائيل.. ما الذي تخشاه تل أبيب؟ | #ستو


.. احتفالاً بالنصر على السنغال.. إضاءة مبنى -إمباير ستيت- بألوا




.. ماكرون: شددنا على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان