الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
هيأة التقاعد.. جمهورية الأرقام التي لا تنام .
حامد الضبياني
2026 / 6 / 3قضايا ثقافية
في بلادٍ تضيع فيها المدن أحيانًا ولا تضيع فيها الفلسات، تقف هيئة التقاعد شامخة كقلعة رياضية متخصصة بحساب أنفاس المتقاعدين وعدّ أيامهم وساعاتهم ودقائقهم، حتى ليخيل للمرء أن نيوتن لو كان عراقياً لترك قوانين الجاذبية واشتغل مدققاً في سجلاتها، فهناك فقط تُقاس العدالة بالمسطرة الإلكترونية ويُوزن الزمن بالميزان الذري، وتُحسب الدنانير كما تُحسب النجوم في السماء.إنها مؤسسة عجيبة تستحق أن تُدرّس في معاهد الفلسفة الحديثة، لأنها استطاعت أن تحل أعقد معضلة عرفتها البشرية: كيف يمكن للحق أن يكون سريعاً عندما يكون للدولة، وبطيئاً عندما يكون للمواطن؟ وكيف تستطيع المعاملة الواحدة أن تركض بسرعة الضوء إذا كانت تطالب متقاعداً بدينار واحد، لكنها تتحول إلى سلحفاة عجوز عندما يكون المتقاعد هو من يطالب بحقه؟.. المتقاعد العراقي، ذلك الكائن الذي أمضى عمره بين الخدمة والحروب والوظائف والانتظار، يكتشف بعد تقاعده أنه دخل مرحلة جديدة من الخدمة الوطنية، لكن هذه المرة في طوابير المراجعات. يراجع اليوم فيقال له غداً، ويأتي غداً فيقال له الأسبوع القادم، ويأتي الأسبوع القادم فيقال له إن المعاملة تحت التدقيق، ثم يكتشف بعد سنوات أن التدقيق نفسه قد أُحيل إلى التقاعد.
المفارقة المضحكة المبكية أن بعض الحقوق المالية المعلقة منذ عقود تبدو وكأنها دخلت في غيبوبة قانونية طويلة، فلا أحد يعرف متى تستيقظ، ولا أحد يعرف أي طبيب إداري قادر على إنعاشها. سنوات تمر، ووجوه تتغير، ومدراء يتقاعدون، وحكومات تتبدل، بينما تبقى الحقوق معلقة في مكان ما بين درجٍ مغلق وملفٍ أصفر وعبارة خالدة اسمها "راجعنا بعد فترة".لكن ما إن يتعلق الأمر بمبلغ صغير تدين به الدولة على مواطن، حتى تتحول المؤسسة إلى وكالة فضاء تمتلك أدق أجهزة الرصد والمتابعة. فجأة تصبح الأيام واضحة، والساعات محسوبة، والدقائق موثقة، وكأن الملائكة نفسها تشرف على جداول الحسابات. لا تضيع فلسة، ولا يختبئ دينار، ولا يفلت يوم واحد من العدسة المكبرة للبيروقراطية العراقية.
وهنا تبدأ الكوميديا السوداء التي لا يستطيع أعظم كتاب المسرح العبثي تخيلها. فالمواطن الذي أمضى عشرين عاماً يطالب بفروقات أو مستحقات أو حقوق مؤجلة، يسمع ألف تفسير وتأويل وتأجيل، بينما يُطلب منه في المقابل أن يسدد ما عليه فوراً وكأن الزمن لم يعرف يوماً معنى التأخير. الدولة تمتلك ذاكرة فولاذية عندما تتذكر ما لها، لكنها تصاب أحياناً بفقدان ذاكرة مزمن عندما يتعلق الأمر بما عليها.إنها عدالة غريبة تشبه بائع الميزان الذي يزن لك الريشة إذا كانت لك، ويزن لك الجبل إذا كان عليه. عدالة تجعل المواطن يتساءل إن كانت الدنانير تمتلك جنسية مختلفة؛ فالدينار الذي يدخل خزينة الدولة يبدو مقدساً ومحاطاً بكل أنواع الحماية والرعاية، أما الدينار الذي يجب أن يخرج منها فيدخل رحلة طويلة من التأملات الفلسفية والإجراءات الروتينية واللجان والدراسات والمخاطبات التي قد تحتاج إلى عمر إضافي كي تكتمل.ولعل أعظم إنجاز حققته هذه البيروقراطية أنها جعلت المتقاعد خبيراً في علوم الانتظار. فهو يعرف أنواع الطوابير، ودرجات المراجعات، وفصول التأجيل الأربعة، ويستطيع أن يميز بين عبارة "راجعنا الأسبوع القادم" وعبارة "راجعنا الشهر القادم" كما يميز عالم الأحياء بين أنواع الكائنات النادرة.ووسط هذا المشهد كله، يبقى السؤال معلقاً في سقف الدائرة كساعة قديمة لا تتوقف عن الدق: إذا كانت العدالة قادرة على أن تحسب الأيام بدقة عندما يكون المواطن مديناً، فلماذا تعجز عن العد نفسه عندما يكون المواطن دائناً؟ وإذا كانت الذاكرة الإدارية تحفظ كل فلس مطلوب، فلماذا تنسى كل دينار مستحق؟.. ربما لأننا ما زلنا نعيش في جمهورية الأرقام التي لا تنام عندما تبحث عن حقوقها، لكنها تنام نوماً عميقاً كلما جاء المواطن يبحث عن حقه. وهناك، خلف النوافذ الزجاجية والأختام الكثيرة والملفات المتراكمة، يجلس الزمن العراقي متقاعداً هو الآخر، ينتظر أن تُصرف له فروق العدالة المتأخرة منذ سنوات طويلة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. انفراجة في مضيق هرمز: عبور أولى الناقلات يسبق توقيع اتفاق وا
.. بيان مشترك لقادة السبع يعزز من أوراق الضغط لدى كييف في أي مح
.. مسعد بولص يسعى لتسوية سياسية في ليبيا وتقاسم للسلطة بين حكوم
.. ترامب يهدد إيران مجددا بالقنابل.. لماذا يكرر تحذيراته رغم ال
.. ترامب يهدد إيران ويتعهد بحماية الهند وإسرائيل.. شاهد ماذا قا