الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


خاطرة - في وداع الأمس.. سيرة الذاكرة والأماكن

طه دخل الله عبد الرحمن

2026 / 6 / 3
الادب والفن


ها أنا ذا، يا صاح على شرفة الغروب التي تطل على جُرح الكون، حيث الشمس تئنّ وهي تغيب، لا تغيب غروب الموت، بل غروب العاشق الذي يعلم أنه لن يعود. أترى تلك الخيوط الذهبية؟ إنها أشرعة سفينة الروح تمزقها رياح النسيان العاتية، فتتطاير أشلاءً من ضوء على جدران الذاكرة المهجورة.
الأمس... يا للضيف الذي ما استأذن حتى دخل، وما استأذن حتى خلف الجراح. ألقى بعبئه الثقيل على صدورنا الضيقة، ثم رحل في صمت، لا وداع، لا سلام، لا موعد. لكنه ترك خلفه شيئا غبار الذكرى يتطاير في كل نَفَس، ورنين خطًى لا تموت، بل تتعمق في دهاليزنا كلما حاولنا الهروب.
الذاكرة، تلك المرأة العجوز التي تنسج من خيوط العنكبوت أطلالاً لمدن كانت. لها نوافذ كثيرة، لكنها لا تفتح إلا على فصول مضت. فيها أدراج من صمت، ومفاتيح من لهب، وصور معلقة على جدران لا مرئية. أما الأماكن، فهي ليست صامتة كما يُظن بل هي شهود ناطقة بالبكاء. كل حجر فيها يئن، كل زقاق يتثاءب حزناً، كل شرفة تغمض عينيها كي لا تبكي.
أتدري لماذا نحن عشاق الأماكن؟ لأنها وحدها التي تتحملنا. تحمل أوجاعنا في جدرانها، تبلل دموعنا بلاطها، تخبئ أسرارنا في شقوقها. حين كنا صغاراً، كنا نركض في الحارات، نلمس الحكايات المدفونة بين الحجارة. كنا نظن أن الزمن طفل مثلكم، يركض خلف الفراشات. لكن الزمن ذئب عجوز، يتربص بنا خلف كل جدار.
المقاهي القديمة، آه يا لها من كنا نعشقها! كانت تضحك لنا حين كنا نبكي، وتبكي لنا حين كنا نضحك. الآن، حين أمر بها، أسمعها تتنهد: أين أولئك الذين كانوا يجلسون هنا؟ أين سوالفهم الطويلة، ودخان سجائرهم الذي كان يصعد كأنه دعاء؟ أين الضحكات التي كانت تملأ الزوايا، ثم تكسرت كالزجاج على أرضية النسيان؟
في وداع الأمس، يا صاحبي، يختلط كل شيء. لا تعُد تميز بين المكان الذي زرته والحلم الذي زرعته فيك الأماكن. تصبح الحجارة مرايا لأرواحنا المتعبة، وتصبح الذاكرة سجناً بلا قضبان. كل ركن في المدينة يرتجف حين تمر، كأنه يعرف أنك تودعه إلى الأبد. والشارع الذي كنت تركض فيه حافياً يبكي تحت أقدام العابرين الذين لا يعرفون أن كل خطوة على بلاطه تفتح جرحاً قديماً.
يا لليلٍ بتنا نراقب القمر، وهو يغزل خيوط الفضة على السطوح! كنا نظن أن القمر يحبنا، وأن الزمن سيوقف قطاره عند محطتنا الصغيرة. لكن القطار مضى، يا صاح، مضى يجر أذيال الغبار والغصة. حمل ضحكاتنا وبراءتنا، وبقينا نلملم شتات الذاكرة في ليل طويل، نرتّب صوراً شاحبة في ألبوم الحنين، نعطرها بورود حزينة لا تذبل، لأنها نمت على تراب الدمع.
ولكن في لحظة الوداع نفسها، يا صاحبي العزيز، ينكشف السر الأعظم الأمس لم يمت. الأمس يتنفس في زوايانا الداخلية، في نبرة صوت تعود إلينا فجأة كالصاعقة، في رائحة مطر اعتدناها في طفولتنا، في ومضة ضوء تأتينا من نجم مات قبل ألف عام. الأمس حي فينا، لكننا نحن من نموت عنه شيئاً فشيئاً.
نودّع الأماكن، لكنها لا تودّعنا. نغادر الذاكرة، لكنها تلاحقنا كالظل الطويل عند الأصيل، كالجرح الذي يفتح حين ننساه. الأماكن تظل واقفة على أرصفة الانتظار، تحمل صورنا في عيونها المطفأة، تهمس بأسمائنا للريح كي تبلغنا، لكن الريح تضيع في الطريق.
ورغم كل هذا، يبقى الرحيل فناً نبيلاً. أن نعرف كيف نطوي الصفحات بلا تمزيق، كيف نغلق الأبواب بهدوء خلف قلوب تعبت من الحنين. لسنا نبكي على الأمس، بل نبكي على أنفسنا التي كانت تعرف كيف تكون سعيدة بأشياء صغيرة بقطعة خبز، بظل شجرة، بصديق يمر من دون موعد.
في وداع الأمس، نكتب سيرتنا بأحرف من نور وظل، نمنح الأمس حقه في البقاء، ونمنح أنفسنا حريتها في العبور. لأننا، مهما طال الحنين، لن نعود إلى ما كنا. سنمضي، وسنحمل الجراح كالأوسمة، وسنبتسم أخيراً ونحن نقول: وداعاً أيها الأمس الجميل الثقيل. وداعاً أيتها الذاكرة التي كانت مملكتنا. وداعاً أيتها الأماكن التي كانت أوطاننا الصغيرة. سنلتقي في مكان آخر، في زمن آخر، ربما على شرفة غروب آخر، حيث لا حزن ولا رحيل.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. البروديوسر أميرة إسماعيل توضح تسلسلات الإنتاج الفني وكواليس


.. كواليس حفل أم كلثوم بباريس: يهودي قام بتنظيمه ونجم فرنسي أشه




.. نسخة جديدة وسحر قديم من فيلم الـ Moana في #الريفيو مع #لميس_


.. لازم البروديوسر يوفر علشان يكون ناجح؟ أميرة إسماعيل تتحدث عن




.. بودكاست 10452 | المخرج والكاتب شربل خليل