الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الإختيار الصعب بين الحاضر والماضى !؟
حسن مدبولى
2026 / 6 / 3دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
يبتسم أحدهم ساخراً، ثم يطرح السؤال وكأنه امتحان نهائي للهوية والتاريخ:
أتختار أحمس ورمسيس، أم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص؟
ويبدو المشهد فى ظاهره وكأننا أمام مفاضلة حضارية بين “الأصيل” و”الدخيل”، أو بين “الوطنية” و”الغزو”، أو بين “الفرعونية” و”العروبة”، بينما الحقيقة أكثر تعقيداً وأشد قسوة من هذا التبسيط الساذج.
فالأمم لا تُقاس بالأسماء وحدها، ولا بالأزياء واللغات والشعارات، وإنما تُقاس بما قدمته للإنسان، وبما تركته من عدالة وقوة وكرامة ووعى وقدرة على البقاء.
ولذلك فالقضية ليست معركة بين أحمس وخالد، ولا بين رمسيس وعمرو، وليست حرباً بين حضارتين بالمعنى الرومانسى الذى يحاول البعض تسويقه، وإنما هى سؤال أكبر وأخطر:
أى نموذج تاريخى منح المصريين قوة وحياة وفاعلية؟
وأى نموذج أورثهم التبعية والجمود والانكسار؟
والأخطر من ذلك أن الأجيال القادمة نفسها لن ترحمنا نحن أيضاً، مهما كانت أسماؤنا أو هوياتنا المعلنة، لأنها سترى بأعينها كيف تهاونا أمام تهديد وجودى كسد النهضة، وكيف فرطنا فى ثوابت الجغرافيا والسيادة، وكيف تحولت شعارات الكرامة إلى مجرد خطب واحتفالات بينما تتراجع الدولة والمجتمع والثقافة والتعليم والاقتصاد، وتزداد التبعية والانكشاف الحضارى عاماً بعد عام.
وحينها لن يشفع لنا أننا نحمل أسماء عربية أو إسلامية، لأن الهزيمة لا تصبح نصراً بسبب الاسم، والانهيار لا يتحول إلى مجد بسبب الشعار.
لكن بالمقابل، وإذا كان البعض يريد محاكمة الحاضر بمعايير القوة والكرامة والإنجاز، فمن الطبيعى أن يخضع التاريخ الفرعونى ذاته لنفس المعايير، لا أن يتحول إلى منطقة مقدسة ممنوع الاقتراب منها أو مساءلتها.
فهل كان ذلك التاريخ كله مجداً خالصاً كما يُصوَّر؟
وهل كانت الدولة الفرعونية نموذجاً إنسانياً راقياً بالفعل؟
أم أن كثيراً مما ننبهر به اليوم ليس سوى انبهار زخرفى سطحى بالحجر الضخم والذهب اللامع والطقوس الغامضة؟
إن أغلب من يتحدثون بحماسة عن “عظمة الأجداد” لا يرون غالباً سوى الأهرامات والمعابد والمومياوات والنقوش والتماثيل العملاقة، لكنهم لا يتوقفون كثيراً أمام طبيعة النظام الذى صنع كل ذلك.
فالدولة الفرعونية كانت دولة مركزية شديدة القسوة، يملك فيها الحاكم الأرض ومن عليها، ويُسخَّر فيها الشعب لخدمة السلطة ومشروعاتها ورموزها الجنائزية، حتى لو كانت تلك المشروعات معجزات هندسية بالفعل.
نعم، قد تكون الأهرامات إنجازاً هندسياً مبهراً وفق المقاييس المعمارية والفنية، لكن السؤال الإنسانى والحضارى يظل قائماً:
هل يجوز لحاكم يملك ذرة انتماء حقيقى لشعبه أن يسخر أمة كاملة، وموارد مجتمع بأكمله، لبناء مقبرة شخصية تخلد اسمه بعد الموت؟
إن الأزمة ليست فى الحجارة وحدها، بل فى الفكرة التى ترسخت خلفها:
فكرة تسخير الإنسان لصالح الحاكم، لا تسخير السلطة لصالح الإنسان.
ولهذا لم يكن غريباً أن تتكرر الفكرة ذاتها بعد قرون طويلة فى حفر قناة السويس بالسخرة، حيث مات آلاف المصريين تحت القهر والإجبار، وإن اختلفت بالطبع القيمة الاستراتيجية لقناة السويس عن القيمة الرمزية لمقبرة ملكية.
لكن التشابه الحقيقى كان فى النظرة إلى الشعب باعتباره أداة تُستهلك، لا إنساناً يملك حق الاختيار والكرامة.
ثم ماذا استفاد عامة المصريين تاريخياً من التميز المبالغ فيه فى تحنيط الجثث؟
لقد جرى تحنيط الملوك والنخب، وحتى الحيوانات المقدسة كالقطط والتماسيح، بينما اندثرت حياة الفقراء وآلامهم وكأنها لم تكن موجودة أصلاً.
نرى اليوم مومياوات الحكام فى المتاحف، لكننا لا نعرف شيئاً تقريباً عن ملايين البشر الذين عاشوا وماتوا تحت القهر والعمل الإجبارى والتمييز الطبقى.
بل إن بعض الروايات التاريخية تشير إلى أن الفرس استغلوا تقديس المصريين لبعض الحيوانات فوضعوها فى مقدمة جيوشهم أثناء الغزو، بما يكشف كيف يمكن أن تتحول العقائد الجامدة والخرافات إلى نقطة ضعف قاتلة فى مواجهة الأعداء.
أما المجتمع الفرعونى نفسه، فلم يكن مجتمعاً مثالياً كما يُروَّج أحياناً، بل كان مجتمعاً طبقياً صارماً.
فالمزارعون، وهم الأغلبية الساحقة، كانوا يعملون فى أراضٍ لا يملكونها، ويدفعون ضرائب مرهقة، ويُستدعون لأعمال السخرة فى الرى والبناء والمشروعات الكبرى.
أما الفنانون والكهنة والكتبة والحرفيون فكانوا أقرب إلى طبقة الدولة العليا، يعيشون تحت رعايتها ويخدمون خطابها الرسمى، ولذلك ركز الفن والأدب على تمجيد الحاكم وتأليهه، بينما غابت معاناة الناس العاديين تماماً عن الجدران والنقوش.
وكان الفنان نفسه يمدح الفرعون الحاكم باعتباره إلهاً عظيماً، ثم إذا سقط أو قُتل، انقلب فوراً لتمجيد الحاكم الجديد، بل وأعاد الكتابة فوق النقوش القديمة ذاتها، فى صورة فجة من النفاق السياسى الذى يبدو مألوفاً حتى فى عصرنا الحديث.
أما العدالة، فلم تكن قائمة على مؤسسات محايدة بالمفهوم المعروف، بل خضعت كثيراً للكهانة والسلطة الدينية والتمييز الطبقى.
فالعقوبات تراوحت بين الضرب والتشويه والنفى والإعدام بالخازوق أو الغرق أو قطع الرأس، بل وقد تمتد العقوبة إلى عائلة المتهم نفسها إذا كان من عامة الشعب.
والأخطر أن بعض القضايا كانت تُحسم عبر ما يسمى بـ”الأوراكل”، أى الأشخاص الذين يزعمون الاتصال بالإله، حيث يُطرح السؤال بصيغة نعم أو لا، ثم تُعتبر الإجابة حكماً إلهياً نهائياً لا يجوز الاعتراض عليه.
وهكذا اختلط الدين بالسلطة بالقضاء، وتحولت العدالة أحياناً إلى أداة رعب مغلفة بالقداسة.
أما على مستوى الاستقلال الوطنى والممانعة، فالصورة أيضاً ليست أسطورية كما يحاول البعض تصويرها.
فمصر الفرعونية تعرضت لسلسلة طويلة من الاحتلالات الأجنبية الممتدة، من الهكسوس إلى الفرس ثم اليونان والرومان، وغالباً ما طال بقاء المحتل لعقود وقرون دون مقاومة حقيقية واسعة إلا فى مراحل ضعف المحتل نفسه.
حتى أحمس، الذى يُقدَّم كبطل التحرير الأكبر، لم يكن انتصاره معجزة منفصلة عن تأثيرات خصومه، إذ استفاد من تقنيات وأساليب عسكرية اقتبسها من الهكسوس أنفسهم، كما اعتمدت جيوش لاحقة بدرجة كبيرة على المرتزقة والعناصر الأجنبية، خصوصاً اليونانيين.
وفى مراحل أخرى شهد التاريخ الفرعونى صوراً صريحة من الخيانة والاستعانة بالأجنبى فى الصراع الداخلى، كما حدث مع بعض قادة أحمس الثانى، أو لاحقاً مع كليوباترا التى استعانت بالقوة الرومانية فى صراعها السياسى، فمهد ذلك الطريق لابتلاع مصر بالكامل داخل الإمبراطورية الرومانية.
والنتيجة النهائية كانت واضحة:
سلسلة متصلة من الانتقالات بين احتلال وآخر، حتى انتهى العالم الفرعونى القديم تماماً، واختفت لغته تدريجياً، وأُغلقت معابده، وتحولت مصر إلى ولاية تابعة للرومان، تُستنزف خيراتها لصالح الإمبراطورية، بينما يغرق الداخل فى الصراعات اللاهوتية والجدل الدينى العقيم.
لقد تراجعت مصر حينها من مركز حضارى فاعل إلى مجرد مخزن غلال وحامية تابعة، وانقطعت عن التأثير الحضارى الواسع لقرون طويلة، إلى أن جاء الفتح العربى الإسلامى بقيادة عمرو بن العاص سنة 641م، فدخلت مصر فى فضاء حضارى جديد، أعاد ربطها بالعالم، ومنحها لغة جامعة وهوية ثقافية واسعة الانتشار، وأنهى العزلة الطويلة التى عاشتها تحت الحكم الرومانى والبيزنطى.
ويمكن للمرء أن يختلف أو يتفق حول تفاصيل تلك المرحلة، لكن من الصعب إنكار أن مصر فى ظل المجال العربى الإسلامى تحولت مجدداً إلى قوة حاضرة ومؤثرة فى التاريخ، وأن كثيراً من لحظات الصعود الكبرى فى تاريخها جاءت تحت تلك الراية، من مواجهة الصليبيين والتتار، إلى التوسع السياسى والعسكرى، إلى استعادة الفاعلية الحضارية لقرون طويلة.
بل إن المصريين أنفسهم، تحت راية الإسلام والعروبة، خاضوا معارك وجودية كبرى وحققوا انتصارات فارقة، وصولاً إلى حرب أكتوبر التى ارتبطت فى الوعى الشعبى بشعار “الله أكبر”، وبروح دينية ووطنية متداخلة، بغض النظر عن المواقف السياسية اللاحقة أو نتائج التسويات التالية.
أما المدهش حقاً، فهو أن البعض يريد اختزال كل هذا التاريخ المعقد فى سؤال طفولى ساذج من نوع:
“مع من تقف؟ أحمس أم خالد؟”
وكأن الأمم تُبنى بالهتاف للأسماء، لا بفهم التجارب واستخلاص الدروس.
فالتاريخ ليس ملهىً عاطفياً، ولا مسابقة شعارات، ولا حفلة تنكرية نختار فيها زياً فرعونياً أو عربياً ثم نتخيل أننا بذلك أصبحنا أقوياء.
القوة الحقيقية تُقاس بالعدل والحرية والعلم والاستقلال والقدرة على حماية الأرض والإنسان.
ولهذا فإن المشكلة ليست فى أن يكون اسمك أحمس أو خالد، ولا فى أن تتحدث العربية أو الهيروغليفية، بل فى أن تكون قادراً على بناء وطن محترم يملك قراره، ويحفظ كرامة شعبه، وطن يعتز بمقدساته وتراثه، ويطور مقدراته، وينبذ التبعية ويصنع حضارة حقيقية ،،
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. كيف سقطت شبكات احتيال جمعت مئات الملايين حول العالم؟ | مسائي
.. الجيش الكويتي يعلن اعتراض عدد من الصواريخ الباليستية والمسيّ
.. منتخبا فرنسا وإنجلترا يلتقيان في مباراة البحث عن نهاية إيجاب
.. الأرجنتين وإسبانيا.. قمة بين ميسي ولاعبي برشلونة الشباب
.. الإنجليزية للمبتدئين: كيف نتحدث عن الماضي باستخدام الأفعال غ