الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
هل تجرؤ إسرائيل على مهاجمة تركيا؟ ومن المستفيد من هذه الحرب؟
منصور رفاعي اوغلو
2026 / 6 / 3مواضيع وابحاث سياسية
السؤال ليس خياليًا كما كان قبل سنوات، لكنه أيضًا ليس قريبًا كما يتمنى أصحاب الخطابات النارية. فالعلاقة بين تركيا وإسرائيل انتقلت من مرحلة الخلاف السياسي إلى مرحلة التنافس الاستراتيجي المفتوح: غزة، سوريا، شرق المتوسط، النفوذ الإقليمي، صورة القيادة في العالم الإسلامي، وموازين القوة بعد تراجع إيران وأذرعها. ومع ذلك، فإن انتقال هذا التوتر إلى حرب مباشرة بين إسرائيل وتركيا يبقى قرارًا بالغ الخطورة، لأن تركيا ليست غزة، وليست لبنان، وليست سوريا؛ تركيا دولة كبيرة، عضو في حلف الناتو، ولديها جيش ضخم وصناعة دفاعية صاعدة وموقع جغرافي يجعل أي حرب معها أزمة دولية لا مجرد معركة إقليمية.
هل تجرؤ إسرائيل؟
الجواب المختصر: إسرائيل قد تجرؤ على ضرب أهداف مرتبطة بتركيا خارج الأراضي التركية، خصوصًا في سوريا، لكنها غالبًا لن تجرؤ بسهولة على مهاجمة الأراضي التركية مباشرة.
إسرائيل اعتادت تنفيذ ضربات جوية في سوريا ولبنان والعراق وإيران عندما ترى أن هناك تهديدًا لأمنها أو لحرية حركتها العسكرية. المشكلة اليوم أن تركيا بدأت تتحرك بقوة في سوريا، وتحاول أن تملأ فراغًا تركه تراجع إيران، وأن تبني لنفسها نفوذًا عسكريًا وسياسيًا هناك. لذلك، نقطة الاحتكاك الأخطر ليست إسطنبول أو أنقرة، بل سوريا: قاعدة عسكرية، منظومة دفاع جوي، قوات تركية أو حليفة لتركيا، أو منطقة ترى إسرائيل أنها تهدد حرية عملها. تقارير وتحليلات حديثة تشير إلى أن المنافسة التركية الإسرائيلية في سوريا أصبحت أحد أخطر مسارات التصعيد، مع وجود محاولات لتفادي الصدام المباشر عبر قنوات تنسيق أو “منع احتكاك”.
لكن مهاجمة تركيا نفسها شيء مختلف تمامًا. أي ضربة إسرائيلية مباشرة على أراضٍ تركية ستضع إسرائيل أمام دولة عضو في الناتو، وستفتح بابًا لا يمكن التحكم به بسهولة. حتى لو لم يتحرك الناتو تلقائيًا عسكريًا، فإن الأزمة ستصبح أمريكية ـ أوروبية ـ أطلسية، ولن تبقى مجرد قرار إسرائيلي. ولهذا فإن إسرائيل قد تمارس ضغطًا، تهديدًا، عمليات استخباراتية، ضربات غير مباشرة، أو استهدافًا في ساحات ثالثة، لكنها ستفكر ألف مرة قبل أن تضرب تركيا داخل حدودها.
لماذا تخاف إسرائيل من تركيا؟
ليست المسألة أن تركيا أقوى من إسرائيل في كل شيء، ولا أن إسرائيل عاجزة. إسرائيل تمتلك تفوقًا جويًا واستخباراتيًا وتكنولوجيًا كبيرًا، ولديها خبرة طويلة في الضربات الدقيقة والحروب القصيرة. لكن تركيا تملك عناصر قوة مختلفة: عمق جغرافي، عدد سكان كبير، جيش واسع، صناعة مسيرات وصواريخ متطورة، نفوذ في سوريا وليبيا وقطر والقرن الأفريقي، وعلاقات متشابكة مع روسيا والغرب والعالم الإسلامي.
الأخطر بالنسبة لإسرائيل أن تركيا ليست مجرد دولة تعترض على حرب غزة. تركيا تحاول تقديم نفسها كقوة إقليمية بديلة، وكزعيم محتمل لمحور سنّي سياسي وعسكري واقتصادي. بعض التحليلات الإسرائيلية والغربية ترى أن تركيا بعد تراجع إيران قد تصبح التحدي الإقليمي الأكبر أمام إسرائيل، خصوصًا إذا نجحت في تثبيت نفوذها في سوريا.
بمعنى آخر: إسرائيل لا تخاف فقط من صاروخ تركي، بل من مشروع تركي طويل الأمد يمكن أن يقيّد حرية حركتها في سوريا وشرق المتوسط، ويعيد تشكيل موازين المنطقة.
وهل تريد تركيا الحرب؟
تركيا أيضًا لا تريد حربًا مباشرة. الخطاب التركي ضد إسرائيل شديد وقاسٍ، والرئيس أردوغان يستخدم القضية الفلسطينية كجزء من صورته السياسية داخليًا وخارجيًا. لكن الدولة التركية تعرف أن الحرب مع إسرائيل ليست مظاهرة خطابية ولا مناظرة إعلامية. حرب كهذه ستضرب الاقتصاد التركي، والسياحة، العملة، الاستثمار، علاقات تركيا مع واشنطن، وربما علاقتها داخل الناتو.
لذلك نرى مفارقة واضحة: التصعيد الكلامي مرتفع، لكن هناك حرصًا على إبقاء قنوات التواصل أو منع الاحتكاك مفتوحة. حتى وزير الخارجية التركي أكد سابقًا أن أنقرة لا تريد مواجهة مع إسرائيل في سوريا، رغم انتقادها الشديد للضربات الإسرائيلية هناك.
تركيا تريد أن تقول لإسرائيل: “لا تقتربي من مناطق نفوذي”، لكنها لا تريد أن تدفع ثمن حرب شاملة. وإسرائيل تريد أن تقول لتركيا: “لن أسمح لك بتقييد حركتي”، لكنها لا تريد فتح جبهة مع دولة بحجم تركيا.
أين قد تبدأ الحرب إن بدأت؟
إن بدأت مواجهة، فالأغلب أنها لن تبدأ بإعلان حرب كلاسيكي. السيناريو الأخطر هو خطأ أو ضربة محدودة في سوريا: إسرائيل تستهدف موقعًا عسكريًا تقول إنه يهدد أمنها، فتكون فيه عناصر تركية أو معدات تركية. تركيا ترد بطريقة محسوبة، ربما عبر حلفاء محليين أو دفاع جوي أو استهداف محدود. ثم يبدأ سباق التصعيد: كل طرف يريد الرد دون أن يبدو ضعيفًا، لكنه لا يريد حربًا كاملة.
هذا النوع من الحروب يبدأ صغيرًا، ثم يكبر بسبب الكبرياء السياسي. لا أحد يريد التراجع، ولا أحد يريد أن يظهر مهزومًا أمام جمهوره. لذلك الخطر الحقيقي ليس أن يقرر الطرفان حربًا شاملة من البداية، بل أن ينزلقا إليها من حادث محدود.
من المستفيد من حرب إسرائيلية تركية؟
المستفيد الأول هو كل قوة تريد إنهاك تركيا وإسرائيل معًا دون أن تدفع الثمن بنفسها.
إيران قد تكون من أكبر المستفيدين. فبعد أن تعرض نفوذها لضربات كبيرة في سوريا ولبنان، فإن صدامًا بين تركيا وإسرائيل سيعيد خلط الأوراق. إيران ستقول للعالم الإسلامي: “انظروا، إسرائيل لا تفهم إلا القوة”، وفي الوقت نفسه سترتاح من صعود تركيا كمنافس سنّي على قيادة المنطقة.
روسيا قد تستفيد أيضًا. حرب بين تركيا وإسرائيل ستربك الناتو، وتضع واشنطن في موقف صعب بين حليفين مهمين: إسرائيل وتركيا. كما أن أي اضطراب في سوريا يمنح موسكو فرصة للعودة كلاعب لا يمكن تجاوزه.
بعض القوى العربية قد تستفيد بصمت. هناك دول لا تريد تركيا قوية ولا تريد إسرائيل خارجة عن السيطرة، لكنها لا تستطيع مواجهة أي منهما علنًا. حرب محدودة قد تضعف الطرفين وتفتح مجالًا لوساطات ومساومات جديدة.
الولايات المتحدة لا تستفيد من حرب كهذه على المدى القريب. واشنطن تريد ضبط المنطقة لا تفجيرها، ولا تريد صدامًا بين إسرائيل وعضو في الناتو. لكنها قد تستفيد سياسيًا من جعل الطرفين بحاجة إليها: إسرائيل تحتاج الغطاء الأمريكي، وتركيا تحتاج إدارة الأزمة مع الناتو والغرب. لذلك ستعمل واشنطن غالبًا على منع الحرب، لا إشعالها.
أما الشعوب فلن تستفيد. لا الشعب التركي، ولا الإسرائيلي، ولا السوري، ولا الفلسطيني. الحروب بين الدول لا يدفع ثمنها الزعماء في القصور، بل الناس في الأسواق والمطارات والبيوت والمعابر والعملة والأسعار.
هل ستكون حربًا دينية؟
سيحاول البعض تصويرها كحرب بين “تركيا المسلمة” و“إسرائيل اليهودية”، لكن هذا توصيف مضلل. جوهر الصراع ليس دينيًا فقط، بل سياسي واستراتيجي: النفوذ في سوريا، شرعية القيادة الإقليمية، مستقبل غزة، توازن القوة بعد إيران، وموقع تركيا في النظام الدولي.
الدين موجود في الخطاب، وفي تعبئة الجماهير، وفي الرمزية، لكنه ليس وحده المحرك. لو كانت المسألة دينية فقط، لما تعاونت تركيا وإسرائيل عقودًا في التجارة والأمن والسياحة. المشكلة أن المصالح تغيّرت، والخريطة تغيّرت، والطموحات تضخمت.
الخلاصة
إسرائيل قد تهاجم مصالح تركية أو مواقع مرتبطة بتركيا في سوريا إذا شعرت أن نفوذ أنقرة يهدد حرية حركتها. لكنها غالبًا لن تقدم بسهولة على مهاجمة تركيا داخل حدودها، لأن ذلك يعني مواجهة دولة كبيرة وعضوًا في الناتو، وليس مجرد عملية عسكرية عابرة.
وتركيا، رغم خطابها الحاد، لا تبدو راغبة في حرب مباشرة، لأنها تعرف أن الحرب ستكلفها اقتصاديًا وسياسيًا أكثر مما ستمنحها من مكاسب. لذلك نحن أمام صراع ردع وتنافس نفوذ أكثر من كوننا أمام حرب وشيكة.
المستفيد من الحرب لن يكون الفلسطيني ولا السوري ولا التركي ولا الإسرائيلي. المستفيد سيكون من يقف خارج النار، يراقب الطرفين وهما يستهلكان قوتهما، ثم يدخل بعد ذلك لقطف الثمار السياسية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تجرؤ إسرائيل على مهاجمة تركيا؟
بل: هل يستطيع الطرفان ضبط غرورهما قبل أن يتحول الاستفزاز المحدود إلى حرب لا يريدها أحد، ويستفيد منها الجميع إلا أصحاب الأرض؟
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. من تحت القصف إلى المأوى.. دير مسيحي يتحول إلى ملجأً للنازحين
.. بين الترحيب والرفض.. اتفاق واشنطن وطهران يقسم الشارعين الإير
.. قبل عام من الرئاسيات.. الحكومة الفرنسية تتحرك لحماية صناديق
.. ترامب يشيد بدولة الإمارات كحليف لأميركا.. هذا ما قاله للشيخ
.. بدء رفع الحصار عن موانئ إيران وطهران تشترط انسحاب إسرائيل لف