الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
مقامة قناع القطط ومخاتلة القارئ : آلية الإزاحة وأنسنة الغريزة في (( عشية هبوط آدم )).
صباح حزمي الزهيري
2026 / 6 / 3الادب والفن
أعجبني نص (( قصتان قصيرتان )) , من أصدار د. عبد الحليم المدني (( عشية هبوط آدم )) , نحن هنا أمام نصّين يشكلان معاً ما يشبه اللوحة الثنائية في الفن التشكيلي , حيث تكمل اللوحة الثانية ما بدأته الأولى , وتشتركان في نفس الأجواء , الشخصيات , والصدمة الختامية , فقصة (( استفزاز )) في بناءها الدرامي والخدعة السردية , مبنية على (( مخاتلة القارئ )) , فلقد استخدم الكاتب بذكاء لغة الرومانسية والغزل والأدب الإنساني (( العينان المدهشتان , رحلة تأمل طفولية , السخرية , اللعبة الصباحية )) , طوال النص , ليوقع القارئ في (( فخ )) إسقاط المشاعر الإنسانية على المشهد , ليتخيل رجلاً يلاحق امرأة جميلة في حديقة , ثم ليأتي كسر التوقع وصدمة المفارقة في عبارة (( كانت أجمل ما شاهد من قطط في حياته )) , هذه الجملة الختامية هي محرك المتعة في القصة القصيرة جداً , لقد نسفت كل البناء الإنساني الذي تشكّل في ذهن القارئ , وأعادت تأطير الحركات, (( الدوران حول الشجرة , الهرولة , اللهاث , نظرة السخرية )) لتصبح حركات طبيعية لقطة تلعب مع إنسان , أو قطة تستفز قطاً آخر , وهذا ما سيتضح في القصة الثانية .
في القصة الثانية (( غيرة )) عن الصراع وتعميق الغريزة , يتضح أن الراقب والمُراقَب (( بفتح القاف )) ليسوا بشراً أيضاً , الكاتب هنا ينسج خيوط (( الغيرة )) الغريزية في عالم الحيوان , ولكن بلغة مشحونة بالصراع الإنساني التراجيدي (( شاربيه , تقاطع وجهه , التوسل , المعركة الفاصلة )) , لنجد أولاً , تحول الغيرة من رغبة في (( خوض معركة من أجل الأنثى )) إلى (( رغبة في الانتقام منها )) لمجرد الشك في أنها تعرف القط الآخر , وثانياً , القفلة المتمثلة في جملة (( أبرز مخالبه , وأنقض عليها مزمجرا )) والتي كشفت هويتهما الحيوانية تماماً , وأعادتنا عبر (( العينين المدهشتين )) إلى قطة القصة الأولى , وذكاء الكاتب في توحيد العوالم , وجعل القصتين يكملان بعضهما , فالأولى رصدت الإعجاب واللعب , والثانية رصدت الصراع والغيرة والملكية.
النصان يقدمان تجربة قرائية ممتعة جداً , تعتمد على التلاعب بوعي القارئ وإسقاطاته النفسية , حيث نجح الكاتب في تحويل مشهد (( قطط في الشارع )) إلى ملحمة درامية مشحونة بالعواطف (( الإعجاب , التحدي , الغيرة , الغدر )) , وهو ما يحسب له في التقاط التفاصيل العادية وتحويلها إلى أدب يثير الدهشة , وتلك هي آلية (( القناع والرمزية الحيوانية )) , فأن اللجوء إلى عالم القطط لم يكن مجرد رغبة في مداعبة القارئ بالمفاجأة , بل كان آلية دفاع نفسية , استخدمها اللاوعي لدى الكاتب , في علم النفس الأدبي , عندما يمر الكاتب بتجربة اجتماعية حساسة , تحيط بها (( تابوهات )) أو ضغوط مجتمعية وصراعات عاطفية حادة , فإنه يقوم بـ (( الإزاحة )) , أي نقل الصراع الإنساني بأكمله وصبه في قالب حيواني (( القطط )) , هذا القناع يمنح الكاتب (( الحرية الكاملة )) للتعبير عن مشاعر الغيرة , التحدي , والعدائية دون ملاحقة اجتماعية أو لوم مباشر.
يكاد القاريء يشعر ان القطط في النص ليست حيوانات تمسرحت لتشبه البشر, بل هي مشاعر بشرية حارقة وحقيقية جداً (( مغامرة , تحدٍّ , غيرة , تملك , تدمير )) ضاق بها جسد الكاتب الإنساني , فاستعار لها أجساد القطط ومخالبها لتتحارب نيابة عن شخوص بشرية على الورق , والنص بهذا المعنى هو وثيقة اعتراف سايكولوجية مغلفة بالرمز , تُظهر كيف يرى الكاتب نفسه (( مغامراً ومستفِزاً )) , وكيف يرى الصراع الذي شهده أو عاصره , وإن توظيف (( التورية )) بمفهومها البلاغي الأوسع , أو ما يُعرف في النقد الحديث بـ (( المخاتلة والدلالة المزدوجة )) , هو المفتاح السحري الذي يربط بين البنية الفنية للقصة وبين الواقعة التي نعيشها كما الكاتب.
إن الكاتب هنا يمارس لُعبة إبداعية معكوسة , فبينما يبدو في الظاهر أنه يرفع الكائن الحيواني إلى مصاف الإنسان عبر (( أنسنة )) تصرفاته , هو في الحقيقة يعود بالصراع الإنساني (( الغيرة , التملك , الصدام بين رجلين على امرأة )) إلى راديكاليته الغريزية الأولى , وبذلك تصبح (( التورية )) هنا أداة حماية فنية وسيكولوجية , تتيح للكاتب إدانة الوحشية والشك والمطاردة , والتعبير عن أزمة (( الاختراق )) لنسق اجتماعي قائم , مستعيناً بمخالب القطط ليداري بها جراح التجربة الإنسانية.
صباح الزهيري .
قصتان قصيرتان
1. أستفزاز
كانت تسير امامه تسبقه بخطوات قليلة , فاجأته العينان المدهشتان في ذلك الصباح الدافيء , زرقة السماء في خضرة الغابات المنسية , في بياض الثلج , ألوان امتزجت فأخرجت موجة من الأضواء والألق , ولدهشته توقف عن سيره , ليبدأ رحلة تأمل طفولية .
هي كانت تسير , لم تحسب حسابا لهذا الذي توقف عن سيره , بل لم تكن تشعر بوجوده لولا التفاتة سريعة منها ¸ صعدت اليه العينان بألوانها وصخبها , توقفت قليلا , تأملته بدقة , رمقته بنظرة ساخرة , قرأ في عينيها السخرية , فأستفزته بقوة , فتقدم نحوها .
أسرعت بالمسير محاولة تجاهله , وأذ سبقته بمسافة , توقفت , ثم التفتت , رأته يسرع خلفها , فأسرعت , ثم التفتت , متوقفة , لازالت السخرية تطل من عينيها .
قرر ان يلاحقها مهما كانت النتيجة , أسرع الخطى وحين رأته , لاذت بشجرة انتصبت في المكان منذ مائة عام , دارت حولها فأستدار , ركض فركضت , دارت ثانية حول الشجرة العملاقة , فأستدار .
لذّت لها هذه اللعبة الصباحية , هي تدور حول الشجرة , وهو يهرول خلفها , تقف يقف , تركض يركض .
أصابه التعب , تصاعدت انفاسه , بدأ اليأس من الوصول اليها يسري في خلاياه , رفع راية الأستسلام في داخله , توقف , ولهاثه يطل من عينيه , توقفت نظرت اليه , السخرية تطل من عينيها المدهشتين , تأملته , ثم سارت بهدوء .
كانت اجمل ماشاهد من قطط في حياته .
2. غيرة
سارت خلفه بهدوء , تطأطيء رأسها مستسلمة لهذا الذي يسير أمامها , لاتلتفت لما حولها ولمن حولها .
ربما كان حبيبها (( فكر في نفسه )) , ربما اخوها , ابوها , لا , لا , هو حبيبها بالتأكيد , يبدو ذلك من مشيتها المتغطرسة ولفتاته المستوفزة , وشكّه المريب , وغيرته المطلة من عينيه , وعصبيته التي تبدو جلية من تقاطع وجهه , وأهتزاز شاربيه , ونظراته المتحفزة لدخول معركة , قرر ابتداء أن يكون المنتصر فيها .
رفعت رأسها قليلا حين أحست بأن هناك من يدقق النظر فيها , ولاحظت تقطع أنفاسه , وهو يتأملها بخبث , رمقته بتوجس , كان يسير على مسافة من جانبها الأيسر , يبتسم بأستفزاز واضح , يثير فيها مشاهد مفزعة , عما سيحصل لو ان صاحبها المتقدم في سيره لاحظ مايدور , التفتت اليه , مرسلة نظرة تحذير واسعة , لكن أصراره زاد على التشبث بملاحقتها , وربما دخول معركة من أجلها مهما كانت النتائج , أقترب منها و توقفت , رفعت له عيناها , توسلت اليه , دون ان تنطق , ابتعد , أبتعد أرجوك , أتوسل اليك لاأريد أية مشاكل , لكن توسلاتها بعثت في نفسه قوة مضافة , ليسير الى هدفه , هي تستحق المعركة , وتستحق ان يقاتل من أجلها .
أحس صاحبها اخيرا ان هناك من يتابعهما , توقف , نظر فيما حوله بغضب , وجد ذلك الذي يحاول أختراقه , تأمله بدقة , أحتدمت الدماء في أطرافه , وتحفز لمعركة فاصلة , نظر الى صاحبته ليجعلها خلفه حين تبدا المعركة .
فجأة.
قرأ في عينيها أنها تعرفه , تعرف هذا الذي يريد أختراق مسيرتهما , تحول نحوها بوحشية , أبرز مخالبه , وأنقض عليها مزمجرا بصوت مرعب , كانت هي نفسها , القطة التي رآها أمس , بعينيها اللتين أمتزجت فيهما زرقة السماء وخضرة الغابات وبياض الثلج .
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. فنون الطبخ المتوسطي تتألق في تونس استعدادًا للموسم السياحي
.. -سعيد تحسين..الفنان والإنسان-: كتاب يروي سيرة فنان استثنائي
.. الفنان محمد مرزبان يدخل فى غيبوبة تامة ومحاولات بمستشفى أبو
.. لعبة الفار الفني.. مع الفنان أحمد الرافعي - Egyptian Fan Zon
.. الفنان أحمد الرافعي يكشف عن أعماله القادمة