الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


اقتصاد الانتباه يُغّير قواعد المنافسة في السوق العراقي

ميثم ادهم الزبيدي
(Maitham Adham Zubaidy)

2026 / 6 / 3
الادارة و الاقتصاد


في السنوات الأخيرة لم تعد الأسواق العربية، ومنها السوق العراقية، تعمل وفق قواعدها التقليدية التي كان فيها المنتج يُقاس بجودته وسعره فقط. فقد ظهر لاعب جديد في المعادلة هو اقتصاد الانتباه، حيث لم يعد المستهلك يشتري المنتج فقط لما يحتويه، بل لما قد يمنحه إياه خارج محتواه.
تدريجيًا، تحولت بعض المنتجات الاستهلاكية من سلع بسيطة إلى بوابات لاحتمالات أكبر. عبوة شيبس لم تعد مجرد وجبة خفيفة، بل قد تكون جزءًا من حملة تمنح فرصة للفوز بسيارة، أو هاتف ذكي، أو جائزة مالية. ومع هذا التحول، لم تعد المنافسة تدور بين المنتجات ذاتها بقدر ما أصبحت تدور حول القدرة على خلق حلم يرافق المنتج.
في هذا السياق، دخلت العلامات التجارية مرحلة جديدة، حيث لم يعد التسويق يقتصر على إبراز الجودة أو خفض الأسعار، بل أصبح يعتمد على تصميم حملات ترويجية معقدة تقوم على الجمع بين المنتج والجائزة. وقد ساعد صعود صناع المحتوى والمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي في تسريع هذا التحول، إذ أصبح بإمكانهم تحويل قاعدة جماهيرية إلى قوة شرائية مباشرة.
فعلى سبيل المثال، بعض المؤثرين الذين تحولوا إلى علامات تجارية بحد ذاتهم مثل ابو جنة، أحد صناع المحتوى العراقيين المعروفين بحملات توزيع الجوائز والهدايا قد ساهموا في ترسيخ هذا النموذج الذي يربط بين المنتج والحلم، دون أن يكون ذلك محور النقاش الأساسي حول السوق، بل مجرد امتداد لظاهرة أوسع.
لكن هذا التحول يطرح أسئلة أعمق تتجاوز الجانب التسويقي إلى البنية التنظيمية للأسواق. فحين يصبح قرار الشراء مدفوعًا بالجائزة المحتملة أكثر من المنتج نفسه، يتغير جوهر المنافسة للسؤال من يقدم الأفضل؟ إلى من يقدم الحلم الأكبر؟.
اقتصاديًا، هذا لا يُعد بالضرورة خللاً في السوق. فالجوائز والحملات الترويجية تُعتبر أدوات مشروعة لتحفيز الطلب، وتنشيط المبيعات، وتمكين الشركات الجديدة من دخول أسواق يهيمن عليها لاعبون تقليديون. بل إن هذه الأدوات قد تزيد من حيوية السوق وتوسع خيارات المستهلك.
غير أن الإشكالية تبدأ عندما يتحول عنصر الجائزة من محفز ثانوي إلى العامل الحاسم في قرار الشراء. عندها يصبح المستهلك أقل ارتباطًا بقيمة المنتج وأكثر ارتباطًا باحتمال الفوز، وهو ما يخلق تشويشًا في آلية اتخاذ القرار الاستهلاكي.
من هنا يبرز دور الجهات التنظيمية كمجالس حماية المستهلك والمنافسة، ليس لمنع هذه الحملات، بل لضمان وضوحها. فالسوق الصحي لا يحتاج إلى إلغاء الجوائز، بل إلى إجابات واضحة على أسئلة أساسية: كم عدد الجوائز؟ ما طبيعتها؟ كيف يتم اختيار الفائزين؟ وهل هناك جهة مستقلة تتحقق من النتائج؟
غياب هذه الشفافية لا يعني بالضرورة وجود مخالفة، لكنه يقلل من قدرة المستهلك على اتخاذ قرار واعٍ، ويضعف الثقة في آليات السوق على المدى الطويل.
وتزداد حساسية هذا النموذج عندما يستهدف جمهورًا واسعًا من الشباب أو الفئات ذات الدخل المحدود، حيث يكون التأثير العاطفي أعلى من التحليل العقلاني. فارتباط المنتج بشخصية مؤثرة أو حملة واسعة الانتشار قد يجعل التجربة الشرائية أقرب إلى المشاركة في حلم جماعي، وليس مجرد عملية شراء تقليدية.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن النظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها سلبية بالكامل. فالمنافسة اليوم لم تعد محصورة بالسعر والجودة، بل امتدت إلى القدرة على جذب الانتباه. والشركات التي تنجح في ذلك تحقق ميزة تنافسية حقيقية في سوق مزدحم بالمحتوى والخيارات.
لكن التحدي الحقيقي أمام المنظمين ليس في كبح هذا التطور، بل في موازنته. كيف يمكن السماح بالابتكار التسويقي دون أن يتحول إلى غموض يؤثر على شفافية السوق؟ وكيف يمكن حماية المستهلك دون خنق أدوات المنافسة الحديثة؟
في النهاية، الأسواق لا تُبنى على منع الأحلام، بل على تنظيمها. فكلما كانت قواعد اللعبة واضحة، كان الحلم جزءًا مشروعًا من المنافسة. أما عندما تغيب الشفافية، فإن السؤال لا يعود عن قيمة الجائزة، بل عن مدى ثقة المستهلك في السوق نفسه، بغض النظر عن شكل المنتج أو اسم المؤثر الذي يقف خلفه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. خبير اقتصادي للجزيرة: توترات الشرق الأوسط أضعفت أمريكا وجعلت


.. أمير قطر: لم نهتم بالحديث عن الاقتصاد وكان تركيزنا منصبا على




.. نافذة اقتصادية| قراءة رقمية في تداعيات مذكرة التفاهم وحسابات


.. اتفاق واشنطن وطهران يهبط أسعار النفط ويشعل موجة مكاسب عالمية




.. قراءة اقتصادية.. التداعيات الاقتصادية بعد الإعلان الأمريكي ا