الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أحمد الربيعي… ومرارة غياب الكرامة الوطنية

عدي حاتم

2026 / 6 / 3
الصحافة والاعلام


في شباط عام 2014 نشر الصحفي ورسّام الكاريكاتير العراقي أحمد الربيعي رسماً لخامنئي، في سياقٍ صحفي وسياسي يدخل ضمن التقاليد المعروفة لحرية التعبير والعمل الإعلامي، من دون أن يتضمن إساءة شخصية أو خطاب كراهية. غير أن ردّ الفعل الإيراني آنذاك كشف بوضوح حجم النفوذ الذي كانت تمارسه طهران داخل العراق، وحدود التدهور الذي بلغته السيادة العراقية.
فبدلاً من التعامل مع الأمر بوصفه مادة صحفية تخضع للنقد أو الاختلاف، خرج السفير الإيراني في بغداد، حسن كاظمي قمي، بخطاب تصعيدي وتحريضي، متجاوزاً بصورة فاضحة حدود العمل الدبلوماسي، ومتصرفاً وكأنه صاحب سلطة فعلية داخل العراق، لا ممثلٌ لدولة أجنبية يفترض به احترام سيادة البلد المضيف.
لم تقتصر تهديداته على أحمد الربيعي وحده، بل امتدت إلى صحفيين ووسائل إعلام عراقية، في مشهدٍ عكس طبيعة العلاقة المختلّة التي فرضتها القوى الموالية لطهران على الحياة السياسية والأمنية في العراق بعد عام 2003. وسرعان ما تحولت تلك التهديدات إلى ممارسات ميدانية نفذتها الفصائل الولائية، وكان من أبرز من قادوا حملات التحريض والملاحقة آنذاك قيس الخزعلي وقاسم الأعرجي.
في مواجهة ذلك المشهد، كان موقفي واضحاً وصريحاً؛ إذ رددتُ على السفير الإيراني مباشرة:
“اذهب أنت وخامنئي إلى الجحيم”.
كما أعلنت موقفي العلني برفع شعارات تؤكد حق العراقيين في الحرية والسيادة الوطنية، منها:
“عاش العراق حرّاً”،
و“عاشت حرية التعبير وليسقط خامنئي وكل طاغية”،
و“العراق ليس ولايةً إيرانية، ولن يخضع لا لإيران ولا لولاية الفقيه”.
ذلك الموقف لم يمرّ من دون ثمن. فقد صدرت بحقي لاحقاً فتوى ولائية تدعو إلى قتلي، وكانت تلك ثاني فتوى ولائية تُهدر دمي، بعد فتوى الحائري ومقتدى الصدر أواخر عام 2011.
كنتُ قد عدت إلى العراق متخفياً قبل أكثر من شهرين من حادثة اغتيال أحمد الربيعي، الذي لم يكن مجرد زميلٍ أو صديق، بل واحداً من أبرز رسامي الكاريكاتير في العراق والعالم العربي، وصاحب تجربة مهنية حصدت تقديراً وجوائز دولية عديدة. لقد مثّل أحمد الربيعي نموذجاً للكفاءة العراقية التي دفعت ثمن هيمنة السلاح والولاءات العابرة للحدود.
لاحقاً تعرضتُ لعدة محاولات اغتيال واختطاف، وعندما اقتحمت الفصائل الولائية منزلي ولم تجدني، قامت باختطاف ابنتي الصغيرة، التي لم تكن قد أكملت عامها السادس بعد، في واقعة تكشف طبيعة الانحدار الأخلاقي والسياسي الذي وصلت إليه تلك الجماعات.
ومنذ أيار عام 2014 أعيش في المنفى، بعيداً عن وطني وعائلتي، محرومًا حتى من رؤية والدتي، وسط خوف دائم من أن يسبقني الموت إليها أو يسبقها إليّ، من دون فرصة للوداع الأخير.
إن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في سلوك النظام الإيراني، بل في وجود قوى عراقية ارتضت أن تكون أدوات لمشروعٍ خارجي على حساب وطنها وشعبها. فالدول تمارس نفوذها حيث تجد من يسمح لها بذلك، لكن الكارثة تبدأ عندما يتحول بعض أبناء الوطن إلى أدوات لتقويض سيادته وإهانة كرامته الوطنية.
لقد كان استهداف أحمد الربيعي، وملاحقة الصحفيين والمعارضين، جزءاً من مشروع أوسع هدفه إخضاع العراق لمنطق الخوف وإسكات أي صوت يدافع عن حرية التعبير أو يرفض تحويل البلاد إلى ساحة تابعة لولاية الفقيه.
وربما كانت المرارة الأشد قسوة ليست في المنفى ولا في التهديدات ولا حتى في فقدان الأمان، بل في أن يشعر الإنسان أن وطنه الذي أحبّه ودافع عنه قد أصبح عاجزاً عن حمايته من سطوة الغرباء ووكلائهم. تلك هي، في جوهرها، مرارة غياب الكرامة الوطنية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. من تحت القصف إلى المأوى.. دير مسيحي يتحول إلى ملجأً للنازحين


.. بين الترحيب والرفض.. اتفاق واشنطن وطهران يقسم الشارعين الإير




.. قبل عام من الرئاسيات.. الحكومة الفرنسية تتحرك لحماية صناديق


.. ترامب يشيد بدولة الإمارات كحليف لأميركا.. هذا ما قاله للشيخ




.. بدء رفع الحصار عن موانئ إيران وطهران تشترط انسحاب إسرائيل لف