الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الكبت والذاكرة: كيف يصنع الإنسان سجنه الداخلي؟…

مروان صباح

2026 / 6 / 3
مواضيع وابحاث سياسية


/ ثمة مناطق في النفس الإنسانية لا تُفتح أبوابها بسهولة ، ولا تُكتشف بمجرد التأمل العابر أو المعرفة السطحية ، إنها مناطق عميقة تستقر في طبقات الوعي واللاوعي ، حيث تختلط الذكريات بالرغبات ، وتتجاور الصدمات مع الأحلام ، ويصبح الإنسان أحيانًا غريبًا عن نفسه أكثر مما هو غريب عن الآخرين ، ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن المرء قد يقضي عمرًا كاملًا في مواجهة العالم ، بينما يعجز عن مواجهة تلك المساحات الخفية الكامنة في داخله ، وفي العادة ، ينشغل الناس بمظاهر السلوك الإنساني ؛ بالشعبوية والعنصرية ونزعات التفوق وتقديس الذات والرغبة في السيطرة ، غير أن هذه الظواهر ليست سوى نتائج ظاهرة لأسباب أعمق ، فخلف كل صورة متضخمة للذات يقيم خوف دفين ، وخلف كل نزعة عدوانية تختبئ هزيمة لم يُعترف بها ، وخلف كثير من أشكال التعصب يقف إنسان عاجز عن التصالح مع جراحه الخاصة .

من هنا يصبح الكبت أكثر تعقيدًا من اختزاله في البعد الجنسي وحده ، فالكبت قد يكون كبتًا للخوف ، أو للفشل ، أو للذنب ، أو للهزائم الشخصية والجماعية التىّ يرفض الإنسان الاعتراف بها ، وما لا يُعاش بوعي يتحول غالبًا إلى قوة خفية تستمر في التأثير على السلوك والقرارات والمواقف دون أن يدرك صاحبها مصدرها الحقيقي ، ولهذا تحتل الذاكرة مكانة مركزية في التجربة الإنسانية ، فهي ليست مجرد مستودع للأحداث ، بل ميدان صراع دائم بين ما نرغب في الاحتفاظ به وما نحاول دفنه ، وبين الكبت والنسيان تنشأ علاقة معقدة ؛ فالإنسان لا ينسى دائمًا لأنه تجاوز ، بل قد ينسى لأنه عجز عن المواجهة ، غير أن ما يُدفن في الأعماق لا يختفي بالضرورة ، بل يواصل حضوره بأشكال مختلفة ، وقد يعود في لحظة غير متوقعة ليطالب بحقه في الظهور .

ومع ذلك ، فإن المفارقة الكبرى تكمن في أن الخلاص لا يتحقق بمحاربة المشاعر أو مطاردة الذكريات ، بل بفهمها ، فكلما قاوم الإنسان ألمه ازداد التصاقًا به ، وكلما أنكره ازداد حضوره في أعماقه ، أما حين يسمح له بالظهور ، وينظر إليه بوصفه جزءًا من تجربته لا عدوًا يجب سحقه ، فإن الألم يبدأ تدريجيًا بفقدان سلطته ، فالوعي لا يلغي الجراح ، لكنه يمنعها من إدارة الحياة من خلف الستار ، وهنا تتجلى إحدى الحقائق العميقة في التجربة الإنسانية : ليست المشكلة فيما نتذكره ، بل فيما نرفض تذكره ، فالذكريات التىّ تجد طريقها إلى الوعي تصبح قابلة للفهم والتحليل وإعادة التفسير ، أما تلك التىّ تبقى حبيسة الظلام فتتحول إلى مصادر دائمة للاضطراب والقلق ، ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى التاريخ الشخصي كما يُنظر إلى التاريخ السياسي للأمم ؛ فما لا يُعترف به لا يختفي ، بل يبقى مؤجلًا حتى يحين موعد عودته ، ولهذا فإن النضج الحقيقي لا يكمن في امتلاك ذاكرة خالية من الألم ، بل في امتلاك القدرة على النظر إلى الماضي دون الخضوع له ، فالإنسان لا يشفى لأنه نسي كل شيء ، وإنما لأنه تعلم كيف يحمل ذاكرته دون أن تتحول إلى عبء دائم على حاضره ، وما ينطبق على الأفراد ينطبق كذلك على المجتمعات ؛ إذ إن الأمم التىّ تعجز عن مواجهة أخطائها تبقى أسيرة لها ، بينما تفتح المصارحة باب التحرر وإعادة البناء .

إن أعظم ما يملكه الإنسان ليس القدرة على التذكر ، بل القدرة على السماح للأشياء بأن ترحل في وقتها ، فالحياة ، في جوهرها ، ليست صراعًا مستمرًا مع الألم ، بل تعلمًا متدرجًا لفن العبور ، وما بين الكبت والتحرر ، وبين الذاكرة والنسيان ، يظل الوعي هو الجسر الوحيد الذي يمكن للإنسان أن يعبر من خلاله نحو فهم أعمق لذاته وللعالم من حوله ، فالإنسان لا يُهزم بما مرّ به بقدر ما يُهزم بما يرفض مواجهته ، وما يُدفن في أعماق النفس لا يموت ، بل يغير شكله فقط ، منتظرًا لحظة مناسبة ليعود إلى السطح في صورة خوف أو غضب أو تعصب أو رغبة جامحة في الانتقام ، لذلك لا يكون التحرر الحقيقي فعل نسيان ، بل فعل مصالحة ؛ مصالحة مع التجارب التىّ صنعتنا ، ومع الأخطاء التىّ رافقتنا ، ومع الخسائر التىّ لم يكن بالإمكان تجنبها ، ولعل المأساة الكبرى لا تكمن في وجود الجراح ، بل في تحويلها إلى هوية دائمة ، فحين يتماهى الإنسان مع آلامه ، تصبح جزءًا من تعريفه لنفسه ، ويغدو أسيرًا لماضٍ لم يعد قائمًا إلا في ذاكرته ، أما حين يدرك أن المشاعر ، مهما بلغت شدتها ، ليست سوى حالات عابرة وليست حقائق أبدية ، فإنه يبدأ باستعادة حريته الداخلية .

ومن هنا ، لا يعود النسيان ضعفًا في الذاكرة ولا عيبًا في الإدراك ، بل يصبح إحدى أكثر آليات البقاء حكمة في التجربة الإنسانية ، إنه ليس محوًا للتاريخ ، بل تخفيفًا لعبء حمله ، وليس إنكارًا للحدث ، بل تحريرًا للحاضر من سلطة الماضي ، فالذاكرة التىّ لا تعرف كيف تترك بعض الأشياء تمضي ، تتحول إلى سجن ، بينما الوعي القادر على الفهم والتجاوز يحولها إلى خبرة ومعرفة.

لذلك ، ربما لا تكمن الحكمة في أن نتذكر كل شيء ، ولا في أن ننسى كل شيء ، بل في أن نعرف ما الذي يستحق أن يبقى معنا، وما الذي يجب أن نودعه بسلام ، ففي تلك المسافة الدقيقة بين التمسك والتخلي ، بين الاستحضار والترك ، يولد التوازن النفسي الذي يبحث عنه الإنسان طوال حياته ؛ ذلك التوازن الذي لا يصنعه الانتصار على الماضي أو محوه من الوجود ، بل التصالح معه ، فالأحداث التىّ عبرت حياتنا تشبه مياه النهر ؛ لا يمكن إعادتها إلى منبعها ، ولا يمكن الإمساك بها وهي تمضي ، وكل محاولة للاحتفاظ بها على حالها ليست سوى مقاومة لعبث الزمن ، لذلك لا تكمن الحكمة في التشبث بما رحل ، بل في السماح له بأن يأخذ مكانه الطبيعي في الذاكرة دون أن يحتل الحاضر ، وعند تلك اللحظة ، يدرك الإنسان أن الشفاء ليس نسيانًا ، وأن السلام ليس غياب الألم ، بل التحرر من سلطته ، فكل ما يُفهم يهدأ ، وكل ما يُقبل يلين ، وكل ما يُترك يعبر ، وما يعبر لا يعود قادرًا على أن يحكم حياتنا من جديد …والسلام 🙋‍♂








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. خلاف إيراني داخلي بشأن مذكرة التفاهم وواشنطن تترقب الرد


.. الاحتلال الإسرائيلي يواصل عملياته العسكرية في مخيمات شمال ال




.. ترمب: الاتفاق مع إيران مختلف.. ليس مثل أوباما


.. ترمب يحذر إيران من -الحل البديل-.. ولبنان يتمسك بـ-فصل المسا




.. ماذا قال الشرع عن دخول قوات سورية إلى لبنان؟