الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الفصائل من المحور إلى الدولة ورقة سياسة عامة لإعادة هيكلة السلاح والقيادة في العراق
مهند المدني
سياسي ليبرالي محافظ/ كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي
(Muhannad Al Madani)
2026 / 6 / 3
مواضيع وابحاث سياسية
مقدمة: إشكالية العنف الموازي وفلسفة بناء الدولة:
تقوم فلسفة الدولة الحديثة في أدبيات العلوم السياسية على مبدأ أساسي لا يقبل التجزئة: (احتكار أدوات العنف الشرعي) بيد السلطة المركزية كشرط بنيوي لفرض السيادة وحماية الهوية الوطنية.
وفي الحالة العراقية ما بعد عام 2003، واجهت الدولة معضلة حرجاً تمثلت في نمو (هياكل عسكرية واقتصادية موازية)تحركت خارج الأطر السيادية الإدارية والدستورية.
إلا أن المعطيات الراهنة، ولاسيما المقررات الصادرة عن الاجتماع الدوري (279) للإطار التنسيقي المنعقد في 1 حزيران 2026، تؤشر إلى تحول استراتيجي حتمي، حيث لم يعد (حصر السلاح)تكتيكاً سياسياً ظرفياً أو مناورة للمماطلة، بل أصبح مساراً إجبارياً تفرضه ديناميكيات الداخل الصارمة وتطورات البيئة الدولية.
ومن هنا تتقدم هذه الورقة برؤية متكاملة تجمع بين القراءة التحليلية وخارطة الطريق الإجرائية الصالحة للانتقال بالعراق من عهد الفصائلية والمحاور إلى رحابة الدولة الخالصة.
أولاً: محركات التحول والواقعية السياسية:
إن المتابعة والنظر في كواليس القرار السياسي العراقي الأخير يكشف عن استجابة عقلانية وبراغماتية لضغوط دولية وإقليمية غير مسبوقة. فالرسائل والاتصالات الخاصة الحازمة التي تقودها الإدارة الأمريكية الجديدة عبر مبعوثها الرئاسي توم براك، بالتنسيق مع وزراء الدفاع والخارجية والخزانة، وضعت قوى الداخل أمام معادلة صفرية: إما الانخراط في مشروع حقيقي لتأميم السلاح، أو مواجهة تداعيات عسكرية وسياسية واقتصادية كارثية تعصف بالنظام السياسي برمته.
أمام هذه الواقعية السياسية، جاء تفويض رئيس مجلس الوزراء، السيد علي الزيدي، ليمثل غطاءً وطنياً يسعى لنزع فتيل الصدام الخارجي وتأمين المصالح العليا للبلاد. ولكي يتحول هذا التفويض إلى حل سياسي نافذ،
ويتطلب الأمر المباشرة بتنفيذ خارطة طريق تنفيذية من أربع مراحل متسلسلة.
ثانياً: خارطة الطريق التنفيذية لتفكيك بنية اللادولة:-
المرحلة الأولى: تأمين (المظلة السياسية والقضائية):-
إن الخطوة الأولى في الحل ليست عسكرية، بل هي انتزاع الغطاء الشرعي والسياسي عن أي تمرد مسلح، وتتم عبر ثلاثة مسارات تزامنية:
أ-تفعيل الإقرار الحزبي: استثمار بيان الإطار التنسيقي الأخير كـ (وثيقة التزام شيعية داخلية) ترفع الدعم عن أي فصيل يخرج عن سياقات الدولة.
ب-التحصين القضائي الفوري: تفعيل المواقف الاستراتيجية السابقة لرئيس مجلس القضاء الأعلى، لتحويل المقررات السياسية إلى (أوامر قضائية نافذة) مما يجعل أي امتناع عن تسليم السلاح (جريمة كبرى تمس الأمن القومي).
ج-حشد الشرعية الشعبية والدينية: الاستناد المباشر إلى توجيهات المرجعية الدينية العليا بحصر السلاح، ومقاطعتها مع الموقف الحاسم والمستمر للسيد مقتدى الصدر المناهض لعسكرة المجتمع، لتشكل جبهة وطنية تعزل القوى الموازية مجتمعياً وثقافياً.
المرحلة الثانية: (تأميم السلاح) وتجريد ترسانات الردع الموازي:-
تعتمد الآلية التنفيذية لسحب السلاح على (التفكيك الإداري الذكي) عبر تفعيل قانون هيئة الحشد الشعبي النافذ (رقم 40 لسنة 2016 - المادة الأولى) كأداة قانونية محلية جاهزة تقدم إجابة عملية ومقبولة للرفض الدولي:
أ-جرد الأفراد والتدقيق البيومتري:
المباشرة الفورية بعملية جرد رقمي شامل لكافة أفراد الهيئة، وتطهير القوائم إدارياً بالأسماء والحضور الفعلي وإخضاعها للتدقيق الأمني مستقبلاً تحت إشراف الأجهزة الاستخبارية الرسمية.
ب- نزع وتأميم السلاح الاستراتيجي:
إلزام الفصائل بتسليم سلاح الردع الثقيل والمتوسط:(كالطائرات المسيرة، الصواريخ بمختلف مداياتها، المدفعية، الألغام، والدبابات وباقي الآليات والعجلات) تحت اشراف الصنوف المختصة في الجيش العراقي لنقل ملكيتها إلى وزارة الدفاع العراقية.
ج- التسليح القياسي المحدود:
اقتصار تسليح العناصر النظامية المستمرة في الخدمة على السلاح الخفيف والمتوسط والعتاد الدفاعي القياسي، مساواةً بقطعات المشاة في الجيش العراقي، لضمان تحولها إلى قوة إنفاذ قانون لا قوة مجابهة عسكرية.
المرحلة الثالثة: (تأميم القيادة) وتقديم الضمانات البراغماتية:-
لا يمكن لعملية تأميم السلاح أن تكتمل دون (تأميم الإرادة والقيادة) وإنهاء عهد الارتباطات العسكرية الخارجية، وتعتمد هذه المرحلة على استراتيجية(التوافق السياسي الوطني):
أ-مأسسة الإمرة العسكرية:
إلغاء كافة الألقاب الجهادية والحركية داخل الهيئة، واستبدالها بالرتب العسكرية الرسمية الخاضعة للدورات العسكرية ولقانون الخدمة والتقاعد العسكري العراقي، ليكون الامتثال لأوامر القائد العام حصراً.
ب- ضمانات التنظيم والتأميم:
انطلاقاً من المصلحة الوطنية وتجنباً للصدام، يتم منح القيادات العقائدية الميدانية ضمانات واضحة بعدم الملاحقة القانونية أو السياسية، شريطة الالتزام الكامل بالتنظيم الإداري للدولة ونبذ العمل المسلح.
ج- المسار المدني والسياسي البديل:
تخيير القادة الذين يصرون على العمل السياسي الحزبي أو الولاءات الخارجية بين تقديم استقالاتهم فوراً والتحول إلى العمل المدني الخالي تماماً من السلاح، أو الإحالة على التقاعد الإداري الإجباري.
المرحلة الرابعة: تجفيف منابع اللادولة (التفكيك الاقتصادي):-
إن عملية (تأميم وتنظيم السلاح) لا تستهدف البنية العسكرية للفصائل فحسب، بل تمتد لتفكيك (المصالح الاقتصادية الموازية غير المشروعة) التي تغذت في ظلال السلاح غير المنضبط:
أ- الرقابة المالية الشاملة:
إخضاع كافة الصناديق الاستثمارية والشركات والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالهيئة أو الفصائل أو القيادات لرقابة (ديوان الرقابة المالية الاتحادي) وهيئة النزاهة.
ب-إنهاء التداخل الاقتصادي-العسكري:
منع أي تشكيل أمني من ممارسة الأنشطة التجارية خارج أطر وزارة التجارة والهيئة الوطنية للاستثمار، لقطع شريان المال السياسي الموازي وتأمين بيئة استثمارية وطنية جاذبة لمشاريع التنمية والربط الإقليمي.
الخاتمة وعوائد الحل.. نحو دولة المؤسسات والمواطنة:
في النتيجة الوطنية سيجد العراق نفسه أمام فرصة تاريخية صاغتها الضغوط الدولية وتبنتها الإرادة السياسية والقانونية المحلية. وإن تطبيق خارطة الطريق هذه يمثل الحل السياسي الممكن والواقعي لإنهاء الأزمة، فهو لا يهدف إلى الصدام العسكري الدموي، بل يعتمد على (التفكيك الإداري والقانوني الهادئ والاستراتيجي).
من خلال هذا الحل سيخرج العراق من مأزق المحاور الدولية والضغوط الخارجية والحروب الإقليمية والدولية ،ليقدم استجابة عملية ووطنية، تؤمن مصالحه العليا، وتثبت قدرة الدولة على حماية أمنها وسيادتها والالتزامات الدولية على أرضها. العراق اليوم يختار وبشكل نهائي مسار الدولة الخالصة والمؤسسات الرصينة فلا مكان بعد الآن لقيادات ومعسكرات وسلاح خارج إمرة القانون، وولاءات عسكرية عابرة للحدود ولا لشبكات اقتصادية موازية.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. مفاوضات روما بين لبنان وإسرائيل.. هل تحسم أزمة الجنوب؟ | #را
.. الدفاعات الجوية الكويتية تتصدى لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة
.. الدمازين بين النزوح والعودة.. أكثر من 5 آلاف أسرة تغادر إلى
.. ترمب: تراجعت عن فرض الرسوم بمضيق هرمز بعد اتصالات من دول الم
.. تروى لأول مرة.. مواقف بين الأمير الوالد ونجوم الجزيرة