الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


إلى دولة رئيس الوزراء علي الزيدي: خارطة طريق لإنقاذ العراق وإعادة بناء الدولة

احمد موكرياني

2026 / 6 / 4
الادارة و الاقتصاد


تسلُّم رئاسة الوزراء في العراق ليس منصباً اعتيادياً، بل هو اختبار تاريخي لإرادة رجل يواجه إرثاً ثقيلاً من الفساد وسوء الإدارة والانقسامات السياسية والتدخلات الخارجية. إن نجاح أي رئيس وزراء عراقي لا يقاس بعدد الخطب أو الوعود، بل بقدرته على تحويل الدولة من دولة تعتمد على النفط والمحاصصة الطائفية والقومية إلى دولة مؤسسات وقانون واقتصاد منتج.
اليوم يقف العراق أمام مفترق طرق:
• فإما الاستمرار في النهج الذي أوصل البلاد إلى أزمات متكررة، أو
• الشروع في مشروع إصلاح وطني شامل يعيد ثقة المواطن بالدولة.

أولاً: الإصلاح السياسي يبدأ بفرض هيبة الدولة:
لا يمكن لأي برنامج اقتصادي أو تنموي أن ينجح ما لم تكن الدولة هي المرجعية العليا في القرار السياسي والأمني.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه الحكومة العراقية يتمثل في تعدد مراكز النفوذ وتداخل المصالح الحزبية والاقتصادية.
لذلك فإن الأولوية الأولى يجب أن تكون تعزيز سلطة المؤسسات الرسمية وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
إن هيبة الدولة لا تُبنى بالشعارات، بل من خلال:
• تطبيق القانون على المسؤول والمواطن بالمعيار نفسه.
• إنهاء ظاهرة الإفلات من العقاب.
• منع التدخلات الحزبية في عمل مؤسسات الدولة.
• حماية الأجهزة الرقابية والقضائية من الضغوط السياسية.

ثانياً: محاربة الفساد عبر الأنظمة لا عبر اللجان.
لقد أثبتت التجربة العراقية أن تشكيل اللجان وحده لا يكفي لمكافحة الفساد.
الفساد لا يُهزم بالخطب، بل بالأنظمة الإلكترونية والشفافية الكاملة.
لذلك ينبغي إطلاق مشروع وطني شامل للتحول الرقمي يشمل:
• اعتماد نظام التصويت الإلكتروني في مجلس النواب العراقي لتعزيز الشفافية والدقة وتسريع إجراءات التصويت.
• الجمارك والمنافذ الحدودية.
• العقود الحكومية.
• الرواتب والتقاعد.
• الضرائب والرسوم.
• المشتريات الحكومية.
كل دينار يدخل أو يخرج من خزينة الدولة يجب أن يكون قابلاً للتتبع إلكترونياً.
إن التحول الرقمي قد يحقق في سنوات قليلة ما لم تستطع تحقيقه عشرات الهيئات الرقابية خلال عقدين.

ثالثاً: إصلاح القضاء هو أساس الإصلاح كله:
لا توجد دولة قوية بقضاء ضعيف، او بقضاء مسير من قبل الأحزاب والمراكز القوى.
إن المستثمر لا يبحث فقط عن الفرص الاقتصادية، بل يبحث عن قضاء عادل يحمي حقوقه. والمواطن لا يثق بالدولة إذا لم يشعر بأن القضاء قادر على إنصافه.
لذلك يجب إعطاء الأولوية إلى:
• تعزيز استقلال القضاء.
• تسريع البت في الدعاوى.
• حماية القضاة من الضغوط السياسية.
• مكافحة الفساد داخل المؤسسات القضائية.
• رقمنة الإجراءات القضائية.
القضاء المستقل هو خط الدفاع الأول عن الدولة، وهو الضمانة الحقيقية لمكافحة الفساد.

رابعاً: معالجة الأزمة الاقتصادية من جذورها
إن المشكلة الأساسية للاقتصاد العراقي ليست نقص الموارد، بل سوء إدارتها.
فالعراق يمتلك:
• النفط.
• الغاز.
• الأراضي الزراعية.
• الموارد البشرية.
• الموقع الجغرافي.
لكن هذه الموارد لم تتحول إلى تنمية مستدامة.
لذلك ينبغي أن يكون الهدف الاستراتيجي هو تقليل الاعتماد على النفط تدريجياً من خلال:
• دعم الصناعة الوطنية.
• إحياء القطاع الزراعي.
• تطوير السياحة الدينية والتاريخية.
• تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي.
• تطوير الصناعات التحويلية.

خامساً: مشروع الإسكان الوطني بوابة النهضة الاقتصادية:
يواجه العراق عجزاً كبيراً في الوحدات السكنية، بينما يعيش ملايين الشباب صعوبات متزايدة في الحصول على سكن مناسب.
ان توزيع الأراضي لا تحل مشكلة الإسكان في العراق ولا تخلق فرص عمل وانما تخلق فوضى لعدم تمكن المستفيد من بناء منزله وفقا للمعايير الحديثة للبناء وصديقة للبيئة ويواجه الحاصل على الأرض شبكة الفساد المنتشرة في معظم الأجهزة الحكومية والمصرفية.
o كانت رؤيتي، منذ سقوط النظام السابق، واستناداً إلى دراسة شاركتُ في إعدادها مع الشهيد المهندس مؤيد إسماعيل، الذي استشهد إثر إصابته بطلقة طائشة فوق جسر الدورة أثناء عودته إلى منزله لتناول وجبة الإفطار في شهر رمضان عام 2004، تتمثل في بناء ثلاثة ملايين منزل شعبي في العراق. وقد قدمتُ ورقة عمل بهذا الشأن إلى مؤتمر المانحين الذي عُقد في مدريد في أكتوبر/تشرين الأول 2003، أملاً في تمويل المشروع من قبل الدول المانحة، وقدَّرنا كلفته بنحو 30 مليار دولار.
 نال المشروع اهتمام كولن باول، وزير الخارجية الأمريكي، الذي كان مسؤولاً عن الملف العراقي في ذلك الوقت، إلا أنه لم يحظَ باهتمام أيٍّ من الأطراف التي استولت على السلطة في العراق. وقد قدمتُ نسخة من المشروع إلى وزارة الخارجية ووزارة التخطيط في الحكومة العراقية الجديدة بعد سقوط النظام.
 قدر خبير أمريكي كلفة المشروع بعد زيارته الى العراق بـ 60 مليار دولار وفقا للمعاير القياسية الأمريكية.
o لو تبنّت حكومة المحاصصة هذا المشروع، لكان العراق اليوم ينعم باستقرار اقتصادي واجتماعي أكبر.
o وفي 16 أكتوبر/تشرين الأول 2018، حصلتُ على موافقة أولية لتمويل مشروع بناء مليون منزل شعبي صديق للبيئة، وذلك خلال ملتقى أعمال الصيني– الهولندي عُقد في لاهاي. وقد أبلغتُ رئيس الوزراء الأسبق الدكتور عادل عبد المهدي بالمشروع، إلا أنه اتجه لاحقاً إلى الصين للحصول على تمويل بقيمة 10 مليارات دولار ضمن إطار ما عُرف بـ«اتفاقية النفط مقابل الإعمار»، وهي فكرة تقاطعت مع المقترح الذي قدمته إلى الملتقى بشأن تمويل مشاريع الإعمار مقابل النفط، وقد قدمت نسخة من الرسالتين التي بعثتها الى الدكتور عادل عبد المهدي الى السيد محمد شياع السوداني/ الرئيس الوزراء السابق عند زيارته الى هولندا في فبراير/شباط 2024، أن الحكومة عادل عبد المهدي لم تستثمر هذه الفرصة بما يحقق المصلحة المرجوة للشعب العراقي، الأمر الذي انعكس سلباً على تقييم أدائها وانتهى بإقالة حكومة الدكتور عادل عبد المهدي من منصبه كآية من آيات الله عزوجل عقابا لخيانته وضياع الفرصة لخدمة الشعب العراقي.

إن إطلاق مشروع وطني لبناء ملايين الوحدات السكنية خلال السنوات القادمة (ولا يقتصر الأمر على توزيع أراضٍ، بل يتطلب توفير مساكن متكاملة وخدمات مستدامة) يمكن أن يحقق أهدافاً متعددة:
• توفير السكن للمواطنين.
• خلق ملايين فرص العمل.
• تنشيط أكثر من ستين صناعة مرتبطة بالبناء وعشرات الأنشطة الإضافية المرتبطة بالمشروع السكني.
• جذب الاستثمارات الأجنبية.
• تحريك الاقتصاد المحلي.
لقد أثبتت تجارب دول عديدة أن قطاع الإسكان يمكن أن يكون المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي.

سادساً: الكهرباء مفتاح التنمية:
لن تنهض الصناعة ولا الزراعة ولا الخدمات من دون كهرباء مستقرة.
لذلك يجب اعتماد استراتيجية مزدوجة تقوم على:
• تطوير الشبكة الوطنية.
• التوسع في نشر أنظمة الطاقة الشمسية، مما يحد من الحاجة إلى التوسع في شبكات التوزيع والمحولات الكهربائية ويقلل من كلف إنشائها وتشغيلها وصيانتها.
• تقليل الهدر الفني والتجاري.
إن كل ميغاواط إضافي من الكهرباء ينعكس مباشرة على الاقتصاد وفرص العمل.

سابعاً: سياسة خارجية متوازنة:
العراق ليس بحاجة إلى الدخول في محاور إقليمية أو دولية متصارعة.
المصلحة الوطنية تقتضي بناء علاقات متوازنة مع جميع الدول على أساس المصالح المشتركة واحترام السيادة.
ينبغي أن يكون العراق جسراً للتعاون الاقتصادي والاستثماري، لا ساحة للصراعات.

ثامنا: إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك – بانياس هو أحد أهم مشاريع النفط الاستراتيجية في تاريخ العراق. يربط حقول نفط كركوك بميناء بانياس على الساحل السوري المطل على البحر المتوسط.
إذا أُعيد تشغيل الخط أو أُنشئ خط جديد بسعة تتراوح بين 500 ألف ومليون برميل يومياً، فإنه قد يحقق للعراق مزايا كبيرة:
• تنويع منافذ تصدير النفط.
• تقليل الاعتماد على ميناء جيهان التركي وموانئ الجنوب.
• خفض المخاطر المرتبطة بإغلاق أي منفذ تصديري.
• تعزيز العلاقات الاقتصادية مع سوريا ودول البحر المتوسط.
• توفير منفذ أقرب للأسواق الأوروبية وبتكلفة أقل من مرور ناقلات النفط في القناة السويس او خلال خط أنابيب كركوك - ميناء جيهان التركي.
• دعم الاقتصاد السوري والمساهمة في تعافيه بعد سنوات طويلة من الأزمات والتحديات التي شهدتها البلاد خلال فترة حكم عائلة الأسد.

كلمة أخيرة:
دولة الرئيس علي الزيدي:
1. إن الشعب العراقي لا ينتظر المعجزات، بل ينتظر خطوات عملية تعيد الثقة بالدولة وتمنحه الأمل بمستقبل أفضل.
2. إن النجاح الحقيقي لن يتحقق عبر إدارة الأزمات اليومية فقط، بل من خلال بناء مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، واقتصاد منتج، ودولة يحكمها القانون.
3. قد تكون الطريق طويلة وصعبة، لكن التاريخ لا يتذكر عدد السنوات التي قضاها القادة في السلطة، بل يتذكر ما تركوه من أثر في حياة شعوبهم.
4. وإذا اقتنع الشعب العراقي بجدية حكومتكم في بناء دولة المؤسسات والقانون، فإن ذلك سيكون الإنجاز الأكبر للعراق منذ عقود، وسيقف خلفكم داعماً ومسانداً أكثر من 80% من أبناء الشعب العراقي بمختلف مكوناته، الذين عانوا الأمرَّين خلال سنوات الحكم الطائفي البغيض.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قراءة اقتصادية.. تأثير التوترات الجيوسياسية على إمدادات الم


.. مستقبل أسعار النفط بعد عودة التصعيد الأمريكي الإيراني




.. قراءة اقتصادية | أزمة هرمز تهدد إمدادات الطاقة العالمية وسط


.. قراءة اقتصادية.. سيناريوهات أسعار النفط بعد إغلاق هرمز وعودة




.. قراءة اقتصادية.. أزمة هرمز تهدد الأسواق العالمية وتنعكس على