الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


قراءة لسانية رمزية في قصيدة -وشمٌ في القلب- للشاعر نضال برقان

جهاد حمدان
أكاديمي وباحث وناشط سياسي

(Jihad Hamdan)

2026 / 6 / 5
الادب والفن


لا تأتي قصيدة الشاعر نضال برقان الجديدة "وشمٌ في القلب" لمجرد الاحتفاء بذكرى الميلاد كحدث زمني مهم، بل تأتي بوصفها تجلياً لـ"طبقات الذات" التي تراكمت عبر السنين لتزيد التجربة عمقاً وحكمة. وفي القصيدة يقدم الشاعر جردة حساب وجودية تمتزج فيها الذات بالوطن، والهوية بالكون. ولتفكيك هذا النص الشائك، يقارب المقال النص من منظورين متكاملين: أحدهما بنيوي لساني يستنطق البنى التركيبية، والنحت الصرفي، وديناميكية الأفعال التي شكلت قوام النص، والآخر نقدي ثقافي رمزي يتتبع أبعاد الهوية، والحلول الصوفي، وفعل الملاذ الروحي الذي تلوذ به الذات في مواجهة عتمة الحرب وانكسارات الواقع.
𔁯. عتبة العنوان: مفارقة الحفر في الداخل
​يمثل العنوان "وشمٌ في القلب" النص الموازي والمفتاح الإشاري الأول للقصيدة. بنيوياً، جاء العنوان في جملة اسمية حُذف مبتدؤها (تقديره: هذه القصيدة)، وأفاد تنكير "وشمٌ" التعظيم والتفخيم. أما دلالياً، فالمفارقة تكمن في الجمع بين متناقضين: الوشم بوصفه علامة مادية، خارجية، تُحفر بالألم على الجسد لتُرى، والقلب بوصفه مركزاً داخلياً، غير مرئي، متقلباً بطبعه. ومن خلال هذا الانزياح، ينقل الشاعر الوشم من سطوح الجسد الفيزيائي إلى أعماق الروح، ليتحول الوشم من علامة ظاهرية إلى رؤية وجودية حفرية لا يمحوها الزمن، بل تزيدها سنوات العمر (الطبقات) عمقاً ورسوخاً.
𔁰. التجلي اللساني: ديناميكية الأفعال والدمج التركيبي
​ينبني النص لسانياً على حركة انزياح واضحة تتدرج من الماضي المستقر إلى المستقبل المفتوح عبر المجاز، وتتجلى براعة التركيب في مستويين:
​النحت التركيبي والحلول الصرفي (كنتُكِ): يمثل الفعل "كنتُكِ" بؤرة النص اللسانية والجمالية. لم يكتفِ الشاعر بالتشبيه أو المجاورة، بل دمج ضمير المتكلم (التاء) بضمير المخاطبة (الكاف) في فعل كينونة واحد. هذا التداخل الصرفي يعكس لغوياً حالة الغياب التام للمسافة بين الأنا والـ"أنتِ"، ليصبح المحبوب هو الذات، والذات هي المحبوب في اتحاد مطلق.
​التقابل الثنائي: يبرز التناقض التركيبي الممنهج كأداة لسانية لإبراز اتساع التجربة واستيعابها للمتناقضات: (يقين / شك، سمائي / الأرض، فاتحة / ختم). هذا التناظر اللغوي يوضح أن صلة الشاعر بالآخر قد استوعبت كل الثنائيات الوجودية.
𔁱. البعد الثقافي والرمزي: الهوية والـملاذ الروحي
​من زاوية النقد الثقافي، يتجاوز النص حدود الغزل الوجداني الضيق ليتسع إلى أبعاد رمزية جماعية ترتبط بالهوية والمحيط:
​جغرافيا الانتماء: يعزز الشاعر ارتباط الوشم بالهوية يتعدى امتداده العائلي والبيئي المحيط (ربعي، خالاً وعمّاً، ترابي الأخير)، وهي مفردات تنتمي للبيئة الحاضنة والامتداد الاجتماعي والوطني، مما يرجح أن المخاطب هنا يتجاوز الحبيبة الفيزيائية ليكون الوطن أو الأرض في أصفى تجلياتها الرمزية.
​الملاذ الروحي بسورتي يس وعمّ: يحلق الشاعر في عالمه الصوفي، فيقول: وبين صدىً وسرابٍ ألوذُ بـ"يس" حينًا، وحينًا بـ"عمَّ". وهذا ذروة التجلي الثقافي والروحي في القصيدة. هنا يتحول النص القرآني إلى ملاذ روحي واعتصام وجداني تلجأ إليه الذات الشاعرة؛ فالجنوح إلى سورتي (يس) و(النبأ/عمّ) وسط "الصدى" و"السراب" و"عتمة الحرب" هو التماس للأمان والسكينة، واستدعاء لطاقة النص المقدس الحمائية لتردّ عن الروح تشظي الواقع وانكساراته.
​دائرية الرحلة بين الفاتحة والختام
​ينتهي النص بحالة من التوازن الوجودي والدائرية المحكمة؛ فالقصيدة التي بدأت بحفظ الوشوم، تنتهي بـجعل المحبوب "فاتحة وختماً" في "هبوب المجاز". لقد نجح نضال برقان في توظيف بنيته اللسانية المتقنة لخدمة أبعاد رمزية عميقة، أثبتت أن التقدم في العمر وتراكم السنين ليس إلا طبقات من الحكمة تزيد الوشم القديم عمقاً، وتجعل المجاز دليلاً ناصعاً في مواجهة الضلال والزلل.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كواليس حفل أم كلثوم بباريس: يهودي قام بتنظيمه ونجم فرنسي أشه


.. نسخة جديدة وسحر قديم من فيلم الـ Moana في #الريفيو مع #لميس_




.. لازم البروديوسر يوفر علشان يكون ناجح؟ أميرة إسماعيل تتحدث عن


.. بودكاست 10452 | المخرج والكاتب شربل خليل




.. عن كواليس عملية الإنتاج الفني وتجهيزات الاعمال السينمائية وا