الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
قيمة الفلسفة ونفعها المجتمعي في فكر وليم جيمس
عزالدين محمد ابوبكر
2026 / 6 / 5الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
تُعد الفلسفة النافذة الأرقى التي تطل منها البشرية على كنه الوجود وحقيقة التجربة الإنسانية الممتدة عبر العصور، ويبرز الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي وليم جيمس كأحد أهم رواد المذهب البراغماتي الذين أعادوا صياغة مفهوم الفكر الفلسفي ليرتبط بالواقع المعاش والمنفعة الحقيقية، فلم تكن الفلسفة لدى جيمس مجرد ترف فكري أو نظريات مجردة تدور في فلك الميتافيزيقا المعقدة، بل كانت أداة حيوية لفهم الحياة وتوجيه السلوك البشري، وبناء موقف نقدي متكامل يمنح الإنسان القدرة على التكيف ومواجهة مشكلاته الوجودية والمعرفية برؤية واضحة ورصينة.
وقد ولد وليم جيمس في نيويورك عام ١٨٤٢ ونشأ في بيئة ثقافية خصبة أتاحت له التمرس في العلوم الطبيعية والطب والنفس والفلسفة بشكل متداخل وعميق، وهذا التكوين العلمي المتعدد جعل فلسفته تتميز بالمرونة والابتعاد عن الجمود العقائدي؛ حيث ركز على دراسة الخبرة الدينية والنفسية وتأثير الأفكار على السلوك الإنساني، وإن فهم شخصية جيمس يتطلب منا إدراك نزعته الإنسانية التي ترفض قولبة الإنسان في قوالب آلية صماء، وهو ما جعله يبحث دوماً عن القيمة العملية للأفكار، معتبراً أن صدق أي فكرة يكمن في مدى قدرتها على إحداث تغيير إيجابي ومثمر في حياة الفرد والمجتمع.
وترك جيمس إرثاً فكرياً زاخراً شكل معالم الفلسفة الحديثة، ومن أبرز مؤلفاته كتاب «مبادئ علم النفس» الذي أرسى فيه قواعد علم النفس الحديث، وكتاب «إرادة الاعتقاد» و«تنويعات الخبرة الدينية» الذي حلل فيه العاطفة الدينية بمنظور تحليلي فريد، غير أن كتابه الأبرز «البراغماتية» أحدث ثورة منهجية في معيار الحقيقة، يليه كتاب «بعض مشكلات الفلسفة» الذي صدر بعد وفاته ليمثل خلاصة فكره النقدي ورؤيته الشاملة حول ماهية الفلسفة وقيمتها الإنسانية والاجتماعية؛ حيث ناقش فيه بأسلوب مبسط ومحكم القضايا الكبرى كـ الوجود والتعددية ونفع التفكير الفلسفي في مواجهة نزعات العصر المادية.
وفي كتابه الأخير هذا «بعض مشكلات الفلسفة»، خصص وليم جيمس مبحثاً هاماً لدراسة قيمة الفلسفة وأهميتها الحيوية في النهوض بالمجتمعات وتطوير التفكير البشري؛ حيث رأى جيمس أن قيمة الفلسفة لا تقاس بإنتاج منافع مادية مباشرة، بل بقدرتها على صياغة مواقف عقلية متزنة وإكساب الفرد ثقافة حرة تنأى به عن النظرة الضيقة والآلية للأشياء، وإن الفلسفة في هذا المنظور هي المحرك الأساسي وراء الابتكار والتحرر من الأفكار المسبقة، وهي الضمانة الوحيدة لعدم سقوط الإنسان في فخ التكرار العقيم والجمود الذي يصيب العقول حين تكتفي بالمعارف السطحية السائدة دون تمحيص.
ويقول وليم جيمس في هذا الصدد: «إن معرفة المواقف الرئيسية المتنافسة إزاء الحياة، كما نمت وتطورت في سياق تاريخ الجنس البشري، والوقوف على الأسباب التي يستند إليها كل موقف منها، كل هذا يجب أن يُعد جزءاً جوهرياً من التربية الحرة. وقد تعدّ الفلسفة في معنى من معانيها، اسماً جامعاً لروح التربية تعبر عنه كلمة المعهد أو الكلية في أمريكا. وفي الوسع دراسة الأشياء بطريقة متزمتة جافة أو بطريقة فلسفية. ففي مدرسة فنية صناعية يمكن للمرء أن يكون آلة من المرتبة الأولى في أداء عمل معين، ولكنه يفتقد دمانة الطبع التي تنم عنها كلمة الثقافة الحرة».
ويتابع جيمس في نصه مبيناً أبعاد هذا القصور العقلي والآلي في غياب الفلسفة؛ حيث يوضح قائلاً: «وقد يظل فظاً منكباً على موضوع واحد ضيق الحدود، عاجزاً عن افتراض شيء آخر مختلف عما يراه، مفتقراً إلى الخيال، مختنقاً، بعيداً عن البيئة العقلية. إن الفلسفة تبدأ بالدهشة كما قال أفلاطون وأرسطو، وهي قادرة بذلك على أن تتخيل كل شيء مختلفاً عما هو عليه. فهي ترى المألوف كما لو كان غريباً والغريب كما لو كان مألوفاً. وتستطيع أن ترقى بالأشياء إلى أعلى وتهبط بها إلى أسفل. إن الفلسفة تحيط بكل موضوع وهي توقظنا من سباتنا القطعي وتقوض من آرائنا المطبوخة».
ويكشف تحليل هذا النص عن حجة جيمس القوية ضد النزعة النفعية الضيقة والتعليم التقني المجرد من الروح الإنسانية (وهذا ما قام به فريدريك نيتشه أيضاً)؛ إذ يرى أن الاكتفاء بالمهارة اليدوية أو الصناعية دون أفق فلسفي يحول الإنسان إلى مجرد آلة صماء تؤدي وظيفة محددة دون وعي بالكل، والحجة الأساسية هنا هي أن الفلسفة تمنح التفكير مرونة وخيالاً مبدعاً يكسر قيود الواقع المباشر، فالدهشة الفلسفية تعيد صياغة علاقتنا بالمألوف وتمنعنا من قبول الأفكار الجاهزة أو «الآراء المطبوخة» التي نتبناها دون نقد، وبذلك، تصبح الفلسفة هي حامية للوعي البشري من الانزلاق نحو السبات القطعي أو الدوغماتية المتزمتة.
من هذا المنطلق نتعلم من فلسفة وليم جيمس أن التجربة الفكرية الإنسانية هي بناء تراكمي شاركت في تشييده عقول فذة عبر التاريخ؛ فلولا تساؤلات أرسطو العميقة حول المنطق والوجود، وأفكار هيراقليطس عن الصيرورة والتحول المستمر، وأطروحات كارل ماركس في نقد البنى الاجتماعية والاقتصادية، وتحليلات كيركجور الوجودية حول القلق والذات البشرية، لكانت هذه التجربة الفكرية مشوهة وناقصة بشكل جسيم، وإن كل فيلسوف، مهما اختلف مذهبه، قدم لبنة أساسية وسعّت من حدود العقل الإنساني وجعلت المجتمع أكثر قدرة على فهم ذاته وتطوير مؤسساته الفكرية والاجتماعية بوعي وتكامل.
وتتجلى القيمة الإجتماعية للفلسفة ومدى نفعها الحقيقي في كونها الأداة المثلى لتحقيق «الثقافة الحرة» ودماثة الطبع داخل المجتمع المعاصر، مما يمنع تفتت الوعي الجمعي أمام موجات المادية الجافة، لكن مينيرفا تأتي متأخرة دائماً، وإن مجتمعاً بلا فلسفة هو مجتمع مهدد بالخناق الفكري؛ حيث يعجز أفراده عن إبتكار حلول للمشكلات المستجدة نتيجة افتقارهم للخيال الخصب والمرونة العقلية التي توفرها الممارسة الفلسفية الرصينة، والفلسفة إذن ليست انعزالاً عن الواقع، بل هي انغماس واعٍ فيه - حتى لو لم يكن هذا واضحاً -، يوقظ العقول من خمولها الاستسلامي ويوجه طاقات المجتمع نحو الرقي الأخلاقي والمعرفي عبر إدراك البدائل المتاحة وتقييمها بموضوعية وعقلانية.
المصدر:
«بعض مشكلات الفلسفة»؛ تأليف: الفيلسوف الأمريكي الشهير وليم جيمس، ترجمة: الدكتور محمد فتحي الشنيطي، مراجعة: الدكتور زكي نجيب محمود، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، ممثلة في المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، بدون تاريخ.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. إسرائيل تحدد شرطها للانسحاب من لبنان.. هل يصطدم بحزب الله؟ |
.. جولة الصحافة | نيويورك تايمز: مذكرة التفاهم منحت إيران نفوذا
.. الدفاع الإماراتية: استهداف ناقلتين وطنيتين بصاروخين إيرانيين
.. انفجارات عنيفة تدوي في إيران وترمب يعلن هدف الضربة
.. خارج الصندوق | مفاوضات إيران تورط نائب ترمب داخل أميركا