الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


عن الطوفان وأشياء أخرى (63)

محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)

2026 / 6 / 5
القضية الفلسطينية


التمسخ: مختبر التفكيك الوجودي
في مرة سابقة وفي إطار تجاربنا التحليلية للسياق البيو-سياسي للحالة الفلسطينية- تحدثنا عن مفهوم "الموت الإنتروبي" كإطار تحليلي لفهم الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين كعملية فيزيائية-سياسية إلى جانب التقتيل المباشر، بهدف زيادة العشوائية (الفوضى المدروسة) لرفع مستوى "الإنتروبيا" داخل النظام الاجتماعي والحيوي الفلسطيني حتى ينهار من الداخل. وكان محور الحديث يدور حول فكرة أن المنظومة الاستعمارية تعمل على استنفاذ "طاقة" المجتمع الفلسطيني (الجهد اليومي، القدرة النفسية، الموارد المادية) في تفاصيل النجاة البدائية. فيستهلك الفلسطيني نفسه (يأكل نفسه حرفياًَ) في سعيه لترميم ما يتهدم -من حياته-يومياً، مما يمنعه من مراكمة أي "بنية" أو نظام مستقر. فينهار النظام الاجتماعي والمعيشي من الداخل وتنشطر الجغرافيا المتصلة إلى جزر معزولة، يستهلك هذا التفتيت المكاني طاقة حركية هائلة، ويدفع النظام نحو انهيار داخلي وشلل وظيفي يسرّع من وتيرة تحلله السياسي وغير السياسي.
تفرز هذه العشوائية المتعمدة تفكيكاً أعمق سنسميه "التمسخ"، أي تلك الآلية التي تعلمناها في مختبرات الكيمياء الحيوية حين تعمل الطروف القاسية-مثل فرط الحرارة- على تحطيم سلسلة البروتين وتفقدها وظيفتها؛ وتشوهها وتعطل فاعليتها تماماً، رغم احتفاظها بمادتها الأساسية (الحموض الأمينية)، وهنا سيعني التمسخ تكسير البنية المجتمعية للجسد الفلسطيني (ومن ضمنه الجسد السياسي والحيوي البيولوجي) فيتركه كتلة خاملة خاوية،
نعم!... يتقمص المشروع الصهيوني دور هذا العامل الماسخ بامتياز. حين يفكك المجتمع محولاً هيكله العضوي المتماسك إلى وحدات هلامية منفردة تلهث خلف خلاصها الخاص وسط الحطام. وتعمل هذه السياسات (الجدار مثلاً في الضفة الغربية وكذلك الحواجز) عمل المذيبات النشطة فتفكك، بالأحرى تحطم الروابط الاجتماعية، ليقف الفرد الفلسطيني هناك أعزل أمام آلة الدولة. كما يعطل عنف المستوطنين استقرار الأطراف، ويحدث تآكلاً مستمراً ينهش الجسد الفلسطيني ويحوله رواسب عاجزة عن التفاعل أو التأثير.
يلامس هذا التمسخ العصب العاري لواقع ما بعد أوسلو. فهو يخلق كائناً هجيناً فقد جوهره الأصلي، وعجز عن اكتساب ماهية سوية. وتتكشف آليات هذا التحول عبر ثلاثة مستويات هيكلية:
التمسخ السياسي: وقد خضعت الحركة الوطنية بموجبه لجراحة قسرية شوهت وظيفتها الأصلية. فتحولت حركة التحرر "الوطني" إلى وكيل أمني يضبط إيقاع المجتمع الداخلي لحماية المستعمِر، ومقاول بالباطن يمتص حالات الاحتقان ويقلل قدر المستطاع، الاحتكاك مع المشغّل ، أي الاحتلال.
التمسخ المكاني: وينسحب هذا على الجغرافيا المتصلة التي بدأت بالتبخر فعلاً لتترك وراءها معازل وطرق التفافية تديرها خوارزميات المراقبة أقسى وأشد وحشية مما هو الحال الاعتيادي للسجن. ويترسب عن هذا التمسخ المكاني في حيز هجين (والحيز هنا هو الفضاء حين نعطيه معنى) لا هو دولة ولا هو سجن ولا هو مدينة، ليعيش الفلسطيني زمناً ميتاً في جغرافيا مفتتة تسلب المكان ذاكرته. لننظر إلى خريطة الضفة الغربية ونرى كيف تحولت إلى "مسخ" خرائطي، بل أكثر من ذلك، إلى تشويه لبنية المشهد المكاني الفلسطيني (الطبيعي والحضري).
التمسخ القانوني والقيمي: يرزح الفلسطيني تحت خليط مشوه من قوانين عثمانية وانتدابية وأوامر عسكرية، وأهواء مستوطنين وأمزجة متطرفين ساديين. لافت هنا أن تعمل السلطة "الوطنية" ضمن هذا الخليط على تطويع مفردات "الوطنية" لقمع من يعارضها ؛ وبالتالي يعارض الاحتلال، بينما تستمد أسباب بقائها من الرضا الأمني الإسرائيلي.
ولكن أخطر ما في الأمر يكمن في "التفاعل السام" في المختبر الكولونيالي؛ أي التمسخ الذاتي الذي يتهدد الحالة الوجودية ذاتها. إذ يبدو أن استبطان دور الضحية كأداة وحيدة للهُوية سوف يسرع من الانهيار ويسلب الفرد فاعليته، وعندها ستفقد الضحية المستديمة قدرتها على المبادرة. وحين يدخل الفلسطينية طواعية في "حالة التمسخ"؛ يتحول من "فاعل" يصنع الحدث، إلى "موضوع" يتلقى الفعل. أي ضحية "أبدية" فقدت القدرة على المبادرة، وأصبحت تنتظر "ترياقاً" من الخارج (قرارات أمم متحدة، مساعدات، تعاطف دولي).
يعيد مختبر التمسخ هذا تدوير الحاضر بانتظام، فعمل الاحتلال على إعادة تصميم و"هندسة" الفلسطيني على أنه "موضوع" منزوع السيادة يختزل أحلامه في تحقيق شرط الحياة الخام، مثله مثل "موضوعات" الناشيونال جيوغرافيك وصولاً إلى إذابة الصلابة التاريخية المعهودة لأصحاب الأرض، فتعمل الكيماء الاستعمارية على تشكيل "الموضوع" الفلسطيني كظل أو فائض بشري داخل أنبوب اختبار مغلق. فيتآكل المكان وتتآكل الذاكرة البصرية فيصبح التل منصة مراقبة وشجرة الزيتون كمين موت والعكوب منطقة عسكرية مغلقة... وما إلى ذلك، في سياق مشروع يهدف إلى تحويل "المركب" الفلسطيني الحيوي، إلى "رواسب" بسيطة ومفككة غير قادرة على التفاعل أو التأثير.
ثمة عامل مساعد هنا في تعميق هذا التمسخ الكولونيالي يتمثل في نفاق "الرجل الأبيض" (المراقبة المخبرية) فتتم هذه التجربة أمام أعين "الرجل الأبيض" (الغرب الليبرالي)، الذي لا يتدخل لإيقاف التفاعل، بل لضبط "حرارته" فقط حتى لا ينفجر المختبر. يمارس العالَم هنا دور "الكيميائي المنافق"؛ فهو يضع معايير حقوق الإنسان "كدليل إرشادي" نظري، لكنه في المختبر الفلسطيني يسمح بانتهاك كل القوانين الفيزيائية والأخلاقية. وحين يُقتل الفلسطيني، فالأمر ليس سوى "أثر جانبي" ضروري لعملية حفظ أمن "المتحضرين".
إنها عنصرية كيميائية تصنّف البشر إلى: عناصر نبيلة (الإسرائيلي/الغربي) وعناصر خاملة أو ضارة (الفلسطيني).
تحتم علينا إدراك أن كسر هذه المعادلة يبدأ باستعادة الفاعلية المباشرة ورفض التحول إلى مادة تجريبية؛ فتحطيم زجاج المختبر هو النتيجة الحتمية لرفض التموضع كضحية، بدلاً من الاستنجاد بمن يقف وراءه








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بعد قرار المحكمة.. هل يبدأ فضل شاكر حياة جديدة؟ | #ستوديو_وا


.. أوكرانيا وروسيا.. هجمات ببحر آزوف واضطراب سياسي بكييف بعد إق




.. مشاهد توثق آثار قصف أمريكي استهدف جسرا في بندر خمير جنوب إير


.. عبر الخريطة التفاعلية.. رصد لأبرز مواقع القصف الأمريكي على ج




.. فقرة خاصة | إلى أين يتجه الجدل الإيراني بشأن مذكرة التفاهم و