الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
من «الحرب المحدودة» إلى «الحرب بلا قيود».. ماذا يكشف خطاب التصعيد الروسي عن تحولات الصراع الأوكراني؟
زياد الزبيدي
2026 / 6 / 6مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
6 حزيران يونيو 2026
في الثالث من يونيو/حزيران 2026 نشر المراسل الحربي الروسي ألكسندر كوتس* مقالاً غاضبا حمل عنواناً لافتاً وصادماً: «القتل والتفجير والتدمير والإغراق.. أفكار حول اللحظة الراهنة». ولم يكن المقال مجرد تعليق عابر على مجريات الحرب الروسية الأوكرانية، بل بدا أقرب إلى بيان سياسي ـ عسكري يدعو إلى الإنتقال من منطق الحرب التقليدية إلى منطق أكثر راديكالية وشمولاً.
المقال يكشف حالة من الغضب، الممزوج بالإحباط، المتنامي داخل بعض الأوساط الروسية المؤيدة للحرب أو حزب الحرب كما سماها أحد الأصدقاء، والذي يعكس قناعة متزايدة لدى أصحاب هذا الإتجاه بأن الأدوات المستخدمة حتى الآن لم تحقق الأهداف المرجوة، وأن إستمرار الصراع بالشكل الحالي يطيل أمد الإستنزاف دون حسم.
ومن هذه الزاوية تحديداً تكتسب أفكار كوتس أهميتها؛ ليس بإعتبارها خطة رسمية معلنة، وإنما بوصفها مؤشراً على مزاج سياسي وعسكري يتبلور داخل جزء من النخبة الإعلامية والعسكرية الروسية.
«لا يمكن خوض الحرب بالقفازات البيضاء»
ينطلق كوتس من فرضية مركزية واضحة عندما يتساءل: «ألم يحن الوقت للتخلي عن النظافة المفرطة؟»، ثم يضيف أن روسيا «لن تكسب هذه الحرب بالقفازات البيضاء».
هذه العبارة تختصر جوهر المقال كله.
فالمؤلف يعتبر أن موسكو لا تزال تفرض على نفسها قيوداً أخلاقية وسياسية وعسكرية، في حين أن خصومها ـ وفق رؤيته ـ لا يلتزمون بالقيود نفسها. ولذلك يرفض فكرة إستمرار الحرب ضمن قواعد يصفها بأنها غير متكافئة.
ويستخدم تعبيراً شديد الدلالة عندما يقول: «من المستحيل أن تبقى فارساً عندما يلعب خصمك دور المحتال».
هنا لا يناقش الكاتب تفاصيل العمليات العسكرية بقدر ما يناقش فلسفة الحرب نفسها؛ أي حدود ما هو مقبول وما هو غير مقبول في إدارة الصراع.
إستهداف القيادة السياسية والعسكرية
أولى النقاط التي يطرحها كوتس تتمثل في الدعوة إلى إستهداف من يتخذون القرارات داخل أوكرانيا بصورة مستمرة ومتتابعة.
ويكتب بصراحة: «أقتلوا أولئك الذين يتخذون القرارات... ثم أقتلوا من سيحل محلهم... ثم من سيأتي بعدهم».
الهدف المعلن من هذا الطرح هو إحداث «إنهيار إداري» داخل الدولة الأوكرانية عبر إستنزاف القيادات السياسية والعسكرية.
وتعكس هذه الفكرة إقتناعًا بأن مركز الثقل الحقيقي للحرب لم يعد الجبهات العسكرية فحسب، بل البنية القيادية التي تدير الدولة والجيش معاً.
غير أن هذا الطرح يثير جدلاً واسعاً في القانون الدولي وفي أدبيات الحروب الحديثة، لأن توسيع دائرة الإستهداف لتشمل قيادات سياسية ومدنية يفتح الباب أمام تصعيد متبادل يصعب ضبطه ويزيد إحتمالات توسع الحرب خارج حدودها الحالية.
نهر دنيبر بإعتباره خط فصل إستراتيجي
الفكرة الثانية في المقال تتعلق بالجغرافيا العسكرية.
يدعو كوتس إلى تعطيل الجسور الممتدة فوق نهر دنيبر أو جعل إستخدامها مستحيلاً، مع إستهداف أي بدائل قد يتم إنشاؤها مثل الجسور العائمة أو العبارات النهرية.
ويشير إلى وجود أكثر من عشرين جسراً على إمتداد النهر داخل أوكرانيا، معتبراً أن قطع هذه الروابط سيؤدي إلى تقسيم البلاد عملياً إلى شطرين ويعقد عمليات الإمداد والنقل العسكري.
تكشف هذه الرؤية عن أهمية البنية التحتية في الحروب الحديثة. فالجسور والسكك الحديدية والموانئ لم تعد مجرد منشآت مدنية، بل أصبحت عناصر حاسمة في إستدامة العمليات العسكرية.
ومن منظور عسكري بحت، يسعى هذا الطرح إلى تحويل نهر دنيبر إلى حاجز إستراتيجي دائم، بما يفرض أعباء لوجستية ضخمة على الجانب الأوكراني.
الضغط على البيئة المدنية
ربما تكون النقطة الأكثر إثارة للجدل في المقال هي دعوة الكاتب إلى إستهداف منظومات المياه والصرف الصحي في المدن الأوكرانية.
فهو يطرح صراحة فكرة خلق ظروف معيشية صعبة تدفع أعداداً كبيرة من السكان إلى النزوح غرباً، بما يؤدي ـ حسب تصوره ـ إلى إرباك البنية اللوجستية للدولة الأوكرانية.
ويبرر موقفه بالإشارة إلى معاناة مدينة دونيتسك من أزمات المياه، قائلاً إن الجانب الأوكراني لم يُبدِ تعاطفاً مع هذه الظروف.
وتكشف هذه الفقرة عن تحول مهم في طبيعة التفكير العسكري الذي يطرحه الكاتب؛ إذ ينتقل من إستهداف القدرات القتالية إلى محاولة التأثير على البيئة الإجتماعية والإقتصادية المحيطة بالحرب.
وفي المقابل، يرى منتقدو هذا النوع من الطروحات أن توسيع دائرة الضغط على السكان المدنيين غالباً ما يؤدي إلى تعقيد النزاعات وإطالة أمدها بدلاً من حسمها.
إستهداف «الحضور الأوروبي» في كييف
ينتقل كوتس بعد ذلك إلى ملف الدعم الغربي لأوكرانيا.
فهو يعتبر أن الزيارات المتكررة التي يقوم بها مسؤولون أوروبيون إلى كييف تمثل دليلاً على إنخراط دولهم في الحرب بصورة غير مباشرة.
ومن هنا يدعو إلى إستهداف وسائل النقل التي يستخدمها هؤلاء المسؤولون أو جعل السفر إلى العاصمة الأوكرانية محفوفاً بالمخاطر إلى درجة تردعهم عن القيام بهذه الزيارات.
واللافت أن الكاتب لا يركز على القيمة العسكرية المباشرة لهذه الخطوة، بل على تأثيرها النفسي والسياسي.
فهو يريد أن تتحول زيارة كييف من حدث إعتيادي إلى قرار شديد الحساسية من الناحية الأمنية.
وتعكس هذه الفكرة إدراكاً متزايداً لدى بعض الأصوات الروسية لأهمية الرمزية السياسية والدبلوماسية في الصراع، وليس فقط المعارك الميدانية.
البحر الأسود كجبهة مفتوحة
أما النقطة الخامسة فتتعلق بالمجال البحري.
إذ يدعو كوتس إلى منع حركة الملاحة المرتبطة بالموانئ الأوكرانية بشكل كامل، بغض النظر عن جنسية السفن أو أعلامها.
ويرى أن خنق الصادرات والواردات البحرية سيحرم كييف من أحد أهم منافذها الإقتصادية والإستراتيجية.
وتعكس هذه الرؤية أهمية البحر الأسود بإعتباره أحد ميادين الصراع الرئيسية، خصوصاً بعد أن أصبح شرياناً حيوياً لنقل الحبوب والسلع والطاقة.
لكن توسيع نطاق العمليات البحرية ليشمل سفناً تابعة لدول متعددة يحمل في الوقت نفسه مخاطر كبيرة تتمثل في إحتمال توسيع دائرة المواجهة الدولية.
لماذا يرى الكاتب أن الضربات الحالية غير كافية؟
في خاتمة مقاله يطرح كوتس فكرة أساسية تفسر جميع المقترحات السابقة.
فهو يعتقد أن أوكرانيا لم تعد تعتمد بصورة رئيسية على إقتصادها الوطني، بل أصبحت مدعومة مالياً وعسكرياً من شركائها الغربيين.
ولهذا يرى أن الضربات التقليدية ضد البنية الإقتصادية وحدها لن تكون كافية لتحقيق الحسم.
ومن وجهة نظره، فإن الحرب يجب أن تركز على مراكز إتخاذ القرار، والبنية التحتية الحيوية، وشبكات النقل والإمداد، والعوامل النفسية والسياسية التي تسمح للدولة الأوكرانية بالإستمرار.
ما الذي يكشفه هذا المقال؟
بعيداً عن التفاصيل العملياتية، يكشف مقال ألكسندر كوتس عن ثلاث ظواهر مهمة:
أولاً، تصاعد الأصوات الداعية إلى الإنتقال من إستراتيجية الإستنزاف إلى إستراتيجية الحسم مهما كانت الكلفة.
ثانياً، تزايد الإحساس لدى حزب الحرب بأن روسيا ما زالت تقاتل ضمن قيود لا يلتزم بها خصومها.
ثالثاً، إتساع الفجوة بين منطق الحرب التقليدية ومنطق «الحرب الشاملة» التي تستهدف عناصر القوة العسكرية والسياسية والإقتصادية والنفسية في آن واحد.
وفي المحصلة، لا يمثل المقال مجرد رأي شخصي لمراسل حربي، بل يعكس جانباً من النقاش الدائر داخل الفضاء الإعلامي الروسي حول سؤال بات أكثر إلحاحاً مع دخول الحرب عامها الخامس: هل يمكن تحقيق النصر بالأدوات الحالية، أم أن بعض الأصوات باتت تدفع نحو قواعد إشتباك مختلفة بالكامل؟
هذا السؤال، أكثر من المقترحات التفصيلية نفسها، هو ما يمنح مقال ألكسندر كوتس أهميته السياسية والإعلامية في هذه المرحلة من الصراع.
******
هوامش
ألكسندر كوتس
صحفي ومراسل حربي روسي مخضرم يعمل في صحيفة «كومسومولسكايا برافدا» منذ أكثر من ربع قرن. اشتهر بتغطيته الميدانية للحروب والنزاعات وبمواقفه المؤيدة للرؤية الروسية في القضايا العسكرية والجيوسياسية.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. المؤتمر الصحفي المشترك لرئيسي وزراء المغرب وفرنسا في الرباط
.. قرار زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع فيدوروف يشعل موجة غضب في ال
.. ألمانيا.. ما الذي يدفع الشباب إلى الالتحاق بالجيش؟
.. واشنطن تستهدف قدرات الرصد الإيرانية وسط مؤشرات وساطة للتهدئة
.. وزارة النفط العراقية تحقق في سقوط جسم غريب بمياهها الإقليمية