الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تآكل البوصلة الأخلاقية واتساع الفجوة المجتمعية

حسين علي محمود

2026 / 6 / 6
المجتمع المدني


يشهد المجتمع العراقي في السنوات الأخيرة تحولات اجتماعية و ثقافية متسارعة رافقتها ظواهر تستحق التوقف عندها بجدية.
و من أبرز هذه الظواهر اتساع الفجوة بين فئة تمتلك قدراً من التعليم و الوعي و الثقافة، و بين فئة أخرى تزداد ابتعاداً عن المعرفة و التفكير النقدي حتى أصبح الحوار بين الطرفين في كثير من الأحيان أقرب إلى تبادل الشتائم منه إلى التفاهم.
لا يتعلق الأمر هنا بالشهادات الدراسية وحدها، فالثقافة ليست ورقة جامعية كما أن الجهل ليس غياب التعليم فقط. هناك أشخاص لم يكملوا تعليمهم لكنهم يمتلكون حكمة و أخلاقاً عالية، و هناك متعلمون يفتقرون إلى أبسط قواعد الاحترام و المسؤولية.
تتعلق القضية الحقيقية بمنظومة القيم التي توجه سلوك الإنسان و تحدد طريقة تعامله مع نفسه و مع الآخرين.
لقد كشفت وسائل التواصل الاجتماعي جانباً مهماً من هذه الأزمة، فهذه المنصات لم تخلق المشكلة بقدر ما أظهرتها للعلن، ففي السابق كانت كثير من السلوكيات و الأفكار تبقى محصورة ضمن نطاق ضيق أما اليوم فقد أصبح بإمكان الجميع التعبير عن آرائهم أمام جمهور واسع.
و هنا ظهرت أنماط من السلوك تقوم على الشتائم و التنمر و السخرية و الهجوم الشخصي خصوصاً تجاه أصحاب الآراء المختلفة أو أولئك الذين يحاولون تقديم نقد بنّاء للمشكلات الاجتماعية و الثقافية.
لا تكمن المشكلة في الاختلاف، فالاختلاف أمر طبيعي و صحي في أي مجتمع حي بل تكمن في غياب القدرة على إدارة الاختلاف.
فالبعض يتعامل مع أي نقد و كأنه إهانة شخصية، و مع أي رأي مخالف و كأنه تهديد لوجوده أو هويته و هنا يتحول الحوار إلى معركة و يصبح الانتصار للرأي أهم من البحث عن الحقيقة.
في قلب هذه الأزمة يبرز مفهوم مهم يمكن تسميته بالبوصلة الأخلاقية و هو تعبير مجازي يشير إلى مجموعة القيم و المبادئ التي يعتمد عليها الإنسان للتمييز بين الصواب و الخطأ، و بين ما ينبغي فعله و ما يجب تجنبه، إنها النظام الداخلي الذي يوجه السلوك حتى في غياب الرقابة الخارجية.
فحين يختار الإنسان الصدق رغم أن الكذب قد يحقق له منفعة أو يلتزم بالأمانة رغم وجود فرصة للخيانة أو يحترم الآخرين رغم اختلافه معهم، فإنه في الحقيقة يستجيب لتوجيهات هذه البوصلة الأخلاقية.
و تتشكل هذه البوصلة من عناصر متعددة منها التربية الأسرية، الثقافة، التعليم، الخبرات الحياتية، البيئة الاجتماعية، و القيم الدينية و الإنسانية.
و هي ليست شيئاً ثابتاً بالكامل بل تتأثر بظروف الحياة، التجارب، المصالح، اضافة الى الضغوط التي يتعرض لها الإنسان.
كما ان من أهم العوامل التي تعزز البوصلة الأخلاقية :
- التربية القائمة على القيم الإنسانية السليمة.
- المحاسبة الذاتية و مراجعة السلوك باستمرار.
- وجود قدوات إيجابية في الأسرة و المجتمع.
- تنمية التعاطف مع الآخرين.
- الاستقلال الفكري و عدم الانقياد الأعمى للعقل الجمعي.
- القراءة و التفكير النقدي.
- البيئة الاجتماعية التي تكافئ النزاهة و تحترم القانون.

و في المقابل هناك عوامل تؤدي إلى إضعاف هذه البوصلة أو تشويهها منها :
- التطبيع مع الخطأ حتى يصبح أمراً عادياً.
- تغليب المصلحة الشخصية على كل اعتبار.
- ضغط الجماعة و تحويل السلوك الخاطئ إلى عادة اجتماعية مقبولة.
- التبرير المستمر للأخطاء و عدم الاعتراف بها.
- غياب المساءلة و المحاسبة.

و من أخطر الظواهر المرتبطة بضعف البوصلة الأخلاقية حالة الاستعلاء الفارغ التي يمارسها بعض الأشخاص تجاه كل من يحاول تقديم معرفة أو تصحيح فكرة أو الدعوة إلى سلوك أفضل.
فبدلاً من مناقشة الفكرة يتم السخرية من صاحبها، و بدلاً من الرد بالحجة والدليل يتم اللجوء إلى التنمر أو التشويه أو التقليل من شأن الآخرين.

هذه الظاهرة ليست مجرد مشكلة أخلاقية فردية بل هي مؤشر على أزمة ثقافية أعمق، فالمجتمعات تتقدم عندما تحترم المعرفة و أهلها، و عندما تعتبر النقد وسيلة للتصحيح و التطوير لا وسيلة للعداء و الخصومة.
أما حين يصبح الجهل مصدر فخر و يصبح الاستهزاء بالمثقفين نوعاً من البطولة الاجتماعية فإن المجتمع يدخل في دائرة خطيرة من التراجع.
و لا يعني هذا أن المثقفين دائماً على حق أو أن غير المثقفين دائماً على خطأ، فالحقيقة لا تحتكرها فئة معينة لكن الفرق يكمن في المنهج فالعقل النقدي يبحث عن الأدلة و يقبل المراجعة و التصحيح بينما العقل المنغلق يبحث فقط عما يؤكد قناعاته المسبقة.
إن ما يواجهه العراق اليوم ليس أزمة اقتصادية أو سياسية فقط بل هو أيضاً تحد أخلاقي و ثقافي و تربوي، فالقوانين وحدها لا تبني مجتمعاً متماسكاً إذا غابت القيم، و المؤسسات لا تستطيع وحدها إصلاح الخلل إذا لم يكن لدى الأفراد رقيب داخلي يحكم سلوكهم.
لقد وضعت وسائل التواصل الاجتماعي كثيراً من الناس أمام اختبار يومي، فهناك من استخدم هذه المساحات لنشر المعرفة و الحوار و الوعي، و هناك من كشف عن قدر كبير من التعصب و العدوانية و الانفلات الأخلاقي.
و في هذا الاختبار لم تكن الشهادات ولا المناصب هي العامل الحاسم بل كانت البوصلة الأخلاقية التي يحملها كل فرد داخله.
إن مستقبل أي مجتمع لا يتحدد فقط بما يمتلكه من ثروات أو موارد بل بما يمتلكه من منظومة قيم قادرة على توجيه السلوك العام.
فالمجتمعات التي تحافظ على احترام المعرفة، تربي أبناءها على التفكير النقدي، تغرس فيهم قيم العدالة و الاحترام و المسؤولية ستمتلك فرصة حقيقية للنهوض مهما كانت التحديات.
أما المجتمعات التي تسمح بتطبيع الخطأ، تمجد الجهل، تكافئ السلوك العدواني فإنها تخاطر بخسارة أهم رأسمال تملكه وهو الإنسان نفسه.

لذلك تبقى البوصلة الأخلاقية هي خط الدفاع الأخير أمام الفوضى، و قد يختلف الناس في آرائهم و معتقداتهم و انتماءاتهم لكنهم يحتاجون دائماً إلى منظومة قيم مشتركة تحفظ الاحترام المتبادل و تضمن إمكانية العيش المشترك.
و عندما تضعف هذه البوصلة لا يصبح الخطر على الأفراد فقط بل على المجتمع بأسره لأن الأمم لا تنهار حين تقل مواردها بل حين تفقد قدرتها على التمييز بين ما هو صحيح و ما هو خاطئ.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بعد حكم أوروبي.. بولندا تعترف إداريا بزواج المثليين المبرم ف


.. حكم غيابي بإعدام محمد حمدان دقلو، فماذا نعرف عن حميدتي وصعود




.. أخبار الصباح | السودان يحكم غيابيا بإعدام حميدتي.. وتحرك دول


.. المقابلة | خالد محاجنة محامي هيئة الأسرى ونادي الأسير الفلسط




.. محكمة سودانية تصدر حكما بالإعدام على حميدتي و15 آخرين في قضي