الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الجزائر : هوية تُكتب بين الجبل والصحراء والبحر... وزمن يمشي من ماسينيسا إلى الغد

محفوظ بجاوي

2026 / 6 / 6
قضايا ثقافية


أن تكون جزائريًا لا يعني أن تحمل بطاقة هوية أو جواز سفر، بل أن تحمل في داخلك طبقات من الزمن، تراكمت فوق بعضها حتى صنعت هذا الكائن الذي يسمى الجزائري.
أن تكون جزائريًا هو أن تدرك أن هذه الأرض لم تبدأ بك، ولن تنتهي عندك، بل هي امتداد طويل لتاريخٍ مرّ عبر قرون، ترك فيك شيئًا من أثره، وترك لك مسؤولية فهمه دون إنكار أو انتقاء.
أن تكون جزائريًا هو أن ترى في الجبال والسهول والصحراء والبحر ذاكرة حيّة، لا مجرد جغرافيا، بل كتابًا مفتوحًا على تعاقب الإنسان والمعنى.
أن تكون جزائريًا هو أن تنتمي إلى سلالة رمزية كبرى، لا تُقرأ كأسماء في كتب التاريخ، بل كقوى معنوية تشكّل الوجدان:
ففي ماسينيسا فكرة الدولة الأولى حين كان التنظيم تحديًا وجوديًا،
وفي يوغرطة صرخة الرفض في وجه الهيمنة،
وفي يوبا الثاني انفتاح العقل على العلم والثقافة،
وفي الكاهنة شجاعة الوعي بالحرية حتى آخر لحظة،
وفي الأمير عبد القادر صورة القائد الذي جمع بين السيف والإنسان،
وفي ابن باديس مشروع النهضة الفكرية وإحياء الوعي،
وفي فاطمة نسومر تجسيد المرأة التي صارت رمز مقاومة لا يُكسر،
وفي عبان رمضان والعربي بن مهيدي وديدوش مراد ومصطفى بن بولعيد وزيغود يوسف ورفاقهم تتحول الفكرة إلى ثورة، وتتحول التضحية إلى معنى، ويصبح الوطن أكبر من الحياة نفسها.
هؤلاء ليسوا مراحل منفصلة، بل نَفَس واحد ممتد عبر الزمن، وكل واحد منهم يضيف طبقة في بناء الجزائر الروحي والتاريخي.
أن تكون جزائريًا هو أن تشعر أن شيئًا من كل واحد منهم يسكنك، لا كذكرى، بل كامتداد: من الدولة إلى المقاومة، من الفكر إلى الثورة، من الحكمة إلى الكرامة.
أن تكون جزائريًا هو أن تدرك أن الأمازيغية والعربية والمتوسط وإفريقيا ليست خطوط فصل، بل روافد التقت لتصنع هوية واحدة عميقة الجذور.
وأن تسمع في اختلاف اللهجات صدى قرون من التفاعل الإنساني، وأن ترى في المطبخ واللباس والموسيقى والعمارة أثرًا حيًا لتاريخ لا يزال يتنفس.
أن تكون جزائريًا هو أن تفخر دون غرور، وأن تعترف دون ضعف، وأن تفهم أن الحضارة ليست ملكًا لأحد، بل مشاركة إنسانية واسعة.
وفي النهاية، أن تكون جزائريًا هو أن تحمل هذا الإرث كله دون أن يتحول إلى قيد، وأن تبقي عينيك مفتوحتين على المستقبل، لأن الوطن ليس ماضيًا يُحكى فقط، بل مشروع يُكتب كل يوم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل جند الموساد أحمدي نجاد؟ ماذا تقول نيويورك تايمز؟ وماذا قا


.. حرائق فونتنيبلو قرب باريس تحت السيطرة.. ولكن؟ • فرانس 24




.. ليبيا: خطوة نحو توحيد المؤسسة العسكرية؟ • فرانس 24


.. قضية توقيف علي المرابط… المغرب بين انتقادات دولية ورواية رسم




.. من قلب تكساس.. كيف احتفلت الجماهير الإسبانية بالإطاحة بفرنسا