الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
كريمة النسب بين الحق في الهوية والحق في التقاضي
محمود نجم الدين المعمار
2026 / 6 / 7دراسات وابحاث قانونية
أثار قرار تمييزي حديث يقضي برد دعوى أقامتها فتاة مجهولة الأب تطلب فيها إثبات نسبها إلى أمها، استناداً إلى عدم امتلاكها الشخصية القانونية اللازمة لإقامة الدعوى، جملة من التساؤلات القانونية والفقهية والدستورية التي تستحق الوقوف عندها.
فالقرار، بحسب ما نُشر من أسبابه، انتهى إلى أن المدعية لا تملك الشخصية القانونية التي تخولها إقامة الدعوى، وأن المحكمة كان يتعين عليها رد الدعوى استناداً إلى المادة (80/1) من قانون المرافعات المدنية المتعلقة بعدم توجه الخصومة.
غير أن هذا التسبيب يثير إشكالات عميقة تتجاوز حدود القضية ذاتها.
أولاً: الخلط بين الشخصية القانونية والصفة في التقاضي
إن الشخصية القانونية تثبت لكل إنسان بمجرد ولادته حياً، وهي لا تتوقف على ثبوت النسب أو معرفة الأب أو امتلاك الأوراق الثبوتية.
فلو سلمنا بأن مجهولة النسب لا تملك شخصية قانونية، للزم من ذلك نتائج لا يمكن قبولها قانوناً أو عقلاً؛ إذ لن يكون بالإمكان مقاضاتها إذا أخلت بالتزام، أو مساءلتها جزائياً إذا ارتكبت جريمة، أو تمكينها من التملك والإرث وسائر الحقوق المدنية.
ومن ثم فإن المشكلة لا تكمن في الشخصية القانونية ذاتها، بل في الخلط بينها وبين الصفة أو الأهلية أو المركز القانوني محل النزاع.
ثانياً: الدور المنطقي الذي وقع فيه القرار
إن الدعوى محل البحث لا تتعلق بحق فرعي أو أثر قانوني لاحق، وإنما تتعلق بأصل الهوية القانونية للمدعية.
فالمدعية لم تأت إلى المحكمة وهي تحمل نسباً ثابتاً ثم تطلب أثراً إضافياً، بل جاءت لتطلب إثبات النسب ذاته.
ومن ثم فإن القول بعدم جواز سماع الدعوى لعدم ثبوت النسب يؤدي إلى دور منطقي مغلق مفاده:
لا تستطيعين إثبات نسبك لأن نسبك غير ثابت.
وهذا يعني مطالبة الشخص بإثبات ما جاء إلى المحكمة أصلاً لإثباته.
ولا يستقيم المنطق القانوني مع مثل هذا التسبيب.
ثالثاً: انتهاك غير مباشر للحق الدستوري في التقاضي
إن حق التقاضي من الحقوق الدستورية الأساسية التي كفلتها الدساتير الحديثة باعتباره الوسيلة التي يلجأ إليها الفرد لحماية حقوقه وحرياته.
والقواعد الإجرائية لم توضع لتكون عقبة تحول دون الوصول إلى الحق، بل وضعت لتنظيم الوصول إليه.
وحين يصبح الشرط الإجرائي سبباً لمنع المحكمة من بحث الحق الموضوعي ذاته، فإن الشكل يتحول من وسيلة لتحقيق العدالة إلى أداة لإهدارها.
فإذا كان موضوع الدعوى هو إثبات النسب، فلا يجوز الاحتجاج بعدم ثبوت النسب لمنع نظر الدعوى، لأن محل النزاع نفسه أصبح سبباً لعدم سماعه.
رابعاً: التمييز بين الالتزامات الإرادية وغير الإرادية
إن النسب ليس عقداً ولا تصرفاً إرادياً حتى يقال إن المدعية تفتقر إلى أهلية إبرامه أو المطالبة به.
فالنسب واقعة قانونية تنشأ بحكم الولادة، ولا دخل لإرادة الطفل في وجودها أو عدم وجودها.
ومن ثم فإن إخضاع هذا النوع من الحقوق للقواعد ذاتها التي تحكم التصرفات الإرادية يوقع التطبيق القانوني في اضطراب واضح.
خامساً: من صاحب المصلحة إن لم تكن هي؟
إن المصلحة في دعوى النسب مصلحة شخصية ومباشرة تمس اسم الإنسان وهويته ومركزه الاجتماعي والقانوني.
فإذا لم يكن لصاحبة الشأن نفسها حق اللجوء إلى القضاء لإثبات نسبها، فمن هو الشخص الذي يملك مصلحة أقوى منها؟
إن القول بحرمانها من إقامة الدعوى يجعل الحق معلقاً في فراغ قانوني لا يجد من يطالب به.
اما فقهيا
لم ينظر الفقه الإسلامي إلى النسب باعتباره امتيازاً يمنحه المجتمع للإنسان، بل اعتبره من الحقوق الأصيلة التي يجب صيانتها.
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم:
«"إن من حق الولد على والده أن يحسن اسمه ويحسن أدبه."»
وروي أيضاً بمعانٍ متقاربة أن من حقوق الولد على أبيه أن يسميه اسماً حسناً.
وإذا كان الاسم الحسن من حقوق الولد على أبيه، فكيف يكون أصل الانتساب ذاته أقل شأناً من الاسم؟
إن الشريعة التي حرصت على حفظ الأنساب وعدّتها من المقاصد الكبرى لا يمكن أن تتصور أن يُحرم إنسان من المطالبة بأصله وهويته بسبب نقص في الإجراءات أو قصور في الأوراق الثبوتية او ان تكون حاجزا او عقبه امامه لاستحصال ابسط الحقوق
وعليه..
إن العدالة لا تقاس بصرامة النصوص الإجرائية وحدها، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان حين يكون في أضعف حالاته.
ومجهول النسب أو منازع النسب لا يلجأ إلى القضاء لأنه يملك هوية مكتملة، بل لأنه يبحث عنها.
فإذا أغلق القضاء بابه أمامه بحجة أنه لم يثبت بعد ما جاء لإثباته، فإننا نكون أمام مفارقة قانونية خطيرة تجعل الطريق إلى الحق مشروطاً بامتلاك الحق مسبقاً.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. منظمة حقوقية تقاضي ترمب بسبب التستر على -جرائم إسرائيل-
.. ما السياسة التي تنتهجها القوى الغربية تجاه الانتهاكات الإسرا
.. جرائم سجون الاحتلال ضد الأسرى و-ازدواجية المعايير الدولية-..
.. خارج الصندوق | حماس في مواجهة الأمم المتحدة.. من يعرقل وصول
.. حكم غيابي بإعدام لحميدتي.. هل تنهار قوات الدعم السريع أم تتع