الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


سقوط الرواية الصهيونية فى احقيتها بأرض فلسطين على ايدى علماء الاركلوجيا الاسرائيلين

منير السباح

2026 / 6 / 9
مواضيع وابحاث سياسية


منذ ما يربو على قرن من الزمان، انطلقت الحركة الصهيونية في مشروعها الاستعماري على أرض فلسطين متسلحة بسردية دينية وسياسية جرى صياغتها بعناية، لتحويل نصوص التوراة وميثولوجيا "العهد القديم" من فضاء الإيمان الروحي إلى "صكوك ملكية قانونية وتاريخية" تبرر طرد شعب وإحلال آخر مكانه. غير أن المفارقة التاريخية الكبرى تمثلت في أن المعول الذي هدم أساسات هذه الرواية لم يأتِ من الخارج فحسب، بل جاء من قلب المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية ذاتها، حيث انتفض جيل من علماء الآثار والمؤرخين الجدد ليفككوا هذه الافتراءات، كاشفين عن هوة سحيقة وفجوة معمارية وتاريخية بين ما يدعيه النص المسيس وما تحكيه الأرض والآثار.لقد قامت الرواية الصهيونية بالأساس على فكرة خطية تبدأ بـ "وعد إلهي" بأرض الميعاد، مروراً بغزو عسكري كاسح للمدن الكنعانية بزعامة يوشع بن نون، وصولاً إلى إقامة إمبراطورية داود وسليمان الموحدة والعظمى، والتي انتهت بـ "شتات ونفي جماعي" على يد الرومان، لتبدأ رحلة المعاناة في انتظار "العودة" إلى أرض زُعم أنها كانت "بلا شعب". لكن عند إخضاع هذه البنية الفكرية لمشرط البحث العلمي الأركيولوجي، تهاوت أحجارها واحداً تلو الآخر؛ إذ أعلن عالم الآثار الإسرائيلي البارز، البروفيسور زئيف هرتسوغ، بعد عقود من التنقيب والحفر في باطن الأرض، أن مئات السنين من البحث المكثف وصلت إلى نتيجة حاسمة تكذب التوراة ككتاب تاريخ، مؤكداً أن قصة الخروج من مصر والتيه في سيناء لا تجد لها أي أثر أو وثيقة في التاريخ المصري القديم، وأن أسوار أريحا التي قيل إن يوشع دمرها لم تكن قائمة أصلاً في ذلك العصر، لأن المدن الكنعانية لم تكن مسورة من الأساس.هذا الانقطاع بين الأسطورة والحقيقة تكرس بشكل أعمق عند دراسة طبيعة "المملكة الموحدة" لداود وسليمان، فبينما يصورها الفكر الصهيوني كإمبراطورية شاسعة حكمت المنطقة من القدس، أثبتت حفريات البروفيسور إسرائيل فلنكشتاين ونييل سيلبرمان أن القدس في القرن العاشر قبل الميلاد لم تكن سوى قرية جبلية صغيرة وفقيرة، خالية من أي مظاهر عمرانية أو قصور صرحية تليق بعاصمة إمبراطورية. وفي كتابهما الشهير "التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها"، أوضح الباحثان أن التوراة لم تُكتب كتوثيق تاريخي عاصر الأحداث، بل صِيغت في القرن السابع قبل الميلاد كنوع من الدعاية السياسية والملكوتية لتوحيد القبائل، مؤكدين أن "الإسرائيليين القدامى" لم يأتوا كغزاة من الخارج، بل هم جزء لا يتجزأ من النسيج السكاني الكنعاني الأصلي الذي تطور محلياً في المرتفعات، مما يعني نسف فكرة التميز العرقي أو الإحلال التاريخي.ولم يتوقف هذا التفكيك الأكاديمي عند حدود التاريخ القديم، بل امتد ليشمل الأكذوبة الديمغرافية التي ارتكزت عليها الصهيونية لإقناع اليهود المعاصرين برابطهم البيولوجي بفلسطين. وفي هذا السياق، قاد المؤرخ الإسرائيلي البروفيسور شلومو ساند ثورة فكرية عبر كتابه "اختراع الشعب اليهودي"، حيث أثبت بالدلة التاريخية القاطعة أنه لا يوجد أي دليل على قيام الرومان بنفي وطرد جماعي للشعب اليهودي عام 70 للميلاد، معتبراً هذه القصة برمتها خرافة أُنتجت بأثر رجعي لخدمة أيديولوجيا معينة. وأوضح ساند أن الرومان لم يكونوا يملكون القدرة اللوجستية لترحيل شعوب بأكملها، وأن السكان اليهود القدامى ظلوا في أرضهم وتجذروا فيها، وتحولوا مع مرور القرون إلى المسيحية ثم الإسلام، ليكونوا هم أنفسهم الأجداد الحقيقيين للفلسطينيين الحاليين. وفي المقابل، بيّن ساند أن اليهود المعاصرين، لا سيما الأشكناز الذين شكلوا عصب الحركة الصهيونية، هم أحفاد شعوب وقبائل متعددة اعتنقت اليهودية عبر التاريخ في مناطق متفرقة خارج فلسطين، أبرزها مملكة الخزر في شرق أوروبا، فضلاً عن قبائل في اليمن وشمال إفريقيا، وبالتالي فإنهم لا يملكون أي رابط جيني أو عرقي يربطهم بالقدماء.إن هذه الحقائق العلمية والتاريخية التي أزاح الستار عنها باحثون ومؤرخون إسرائيليون، تلتقي في المصب ذاته مع ما وثقه مؤرخون جدد مثل إيلان بابي وآفي شلايم حول أحداث عام 1948؛ حيث سقطت خرافة "أرض بلا شعب" أمام وثائق التطهير العرقي الممنهج والتهجير القسري الذي تعرض له أصحاب الأرض الأصليون على يد العصابات الصهيونية. وفي المحصلة، تتبدى الحركة الصهيونية في مرآة العلم والتاريخ كحركة سياسية استعمارية وظفت الدين لأغراض التوسع، بينما تظل الأرض في فلسطين، بباطنها وآثارها وفخارها، تنطق بهويتها الكنعانية والعربية الأصيلة، معلنة بصوت علمي لا يقبل التأويل أن الرواية التوراتية المسيسة لم تكن سوى افتراء فندته معاول المنقبين أنفسهم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. خبراء للجزيرة: استمرار الحرب يستنزف القدرات العسكرية الأمريك


.. كوشنر يلتقي قادة حماس في مصر لدفع خطة السلام... ونتانياهو ير




.. البابا ليون الرابع عشر يدعو لوقف العنف بحق الفلسطينيين في ال


.. هل تضغط واشنطن على إسرائيل لتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غ




.. انتهاء مهلة الـ 60 يوما بين واشنطن وطهران.. هل سقط خيار التف