الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
عبد شمخي العسكري… حين كانت الدولة تأتي على صهوة جواد
كاظم الحناوي
2026 / 6 / 9دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
قبل أن نراه، كنا نعرف أنه قادم.
يصل صوت حوافر الحصان أولا، فيلتفت الصغار نحو الطريق، ويتوقف بعض الرجال عن حديثهم لحظات وهم ينظرون إلى جهة الصوت. وبعد دقائق يظهر المرحوم عبد شمخي العسكري ممتطيا جواده، يشق الطريق بين البساتين والقرى التابعة لقضاء الخضر، في مشهد كان مألوفاً في ذلك الزمن، لكنه يبدو اليوم أقرب إلى الحكايات.
في طفولتنا لم نكن ننظر إلى عبد شمخي بوصفه رجل شرطة فقط. كنا نراه ممثلا للدولة كلها. فالرجل الذي يصل على ظهر جواده كان يختلف في أعيننا عن بقية الموظفين الذين نراهم في الدوائر الرسمية. كان حضوره يحمل شيئا من الهيبة وشيئا من الغموض، لذلك كنا نتابع مروره بصمت حتى يبتعد عن المكان.
ولم يكن الحصان مجرد وسيلة نقل بالنسبة لأهالي القرى والأرياف. كان جزءا من صورة السلطة نفسها. فعندما يصل عبد شمخي إلى إحدى القرى لحمل تبليغ أو متابعة شكوى أو تنفيذ مهمة رسمية، يجد من يستقبله ويهيئ لحصانه ما يحتاجه من شعير وماء، في تقليد يعكس احترام الناس للمهمة التي يؤديها أكثر مما يعكس اهتمامهم بالحيوان نفسه. وكانت العليقة (العليجة) المملوءة بالشعير تعلق في رقبة الحصان تقديرا لصاحبه وللمهمة التي جاء من أجلها.
أتذكر أن كثيرا من الأطفال كانوا يبتعدون عن الطريق عند مروره. لم يكن خوفا من المرحوم عبد شمخي بقدر ما كان رهبة من تلك الصورة التي تجمع الرجل والحصان والسلطة في هيئة واحدة. وبعد مغادرته المكان تبدأ الحكايات الصغيرة بيننا، فيصف كل واحد ما شاهده وكأنه يتحدث عن فارس خرج من قصة قديمة.
في ذلك الزمن لم تكن الطرق المعبدة تصل إلى معظم المناطق التي يمر بها. وكانت بعض القرى لا يمكن الوصول إليها بسهولة بالسيارات، خصوصا في مواسم الأمطار أو الفيضانات إلا عبر الممرات الضيقة والجسور الخشبية الصغيرة والقناطر المنتشرة على السواقي. لذلك كان الحصان بالنسبة لعبد شمخي وسيلة عملية قبل أن يكون رمزا للمكانة أو الهيبة.
ولعل الأجيال الجديدة لا تتخيل اليوم حجم المسافات التي كان يقطعها رجال الشرطة آنذاك. فالكثير من القرى كانت متباعدة، وبعضها يقع وسط البساتين أو الأراضي الزراعية، ولا تصل إليه السيارات بسهولة. لذلك كان الحصان جزءا من العمل اليومي لرجل الشرطة، يساعده على الوصول إلى الأماكن التي يصعب الوصول إليها بوسائل أخرى.
وكان المرحوم عبد شمخي يعرف تلك الطرق كما يعرف الفلاح أرضه. يمر بين البساتين، ويعبر الممرات الضيقة، ويتنقل من قرية إلى أخرى حاملا التباليغ أو متابعا الشكاوى والنزاعات التي تحتاج إلى حضور رسمي.
ومع مرور الوقت أصبح وجوده مألوفا لدى الجميع. يعرفه الشيوخ والفلاحون وأصحاب الدكاكين، وحتى الأطفال الذين كانوا يراقبون مروره من بعيد. وكان مجرد ظهوره على الطريق كافيا لأن يدرك الناس أن الدولة وصلت إلى هذه القرية أو تلك.
ومن الأشياء التي بقيت عالقة في ذهني أن الناس كانوا يتعاملون معه بود واحترام في الوقت نفسه. لم يكن مجرد شرطي يحمل سلطة القانون، بل شخصية معروفة بين الأهالي، ولذلك كانت الأحاديث معه لا تخلو من المجاملة والسؤال عن الأحوال قبل الانتقال إلى الغرض الذي جاء من أجله.
ومع تطور وسائل النقل وازدياد استخدام السيارات في العمل الشرطي، اختفت تلك الصورة تدريجيا. لم تعد الخيول جزءا من المشهد اليومي في مراكز الشرطة، وأصبحت السيارات تقوم بمعظم المهام التي كانت تحتاج سابقا إلى جواد وصبر طويل ومعرفة دقيقة بالطرق والمسالك.
وربما لهذا السبب بقي المرحوم عبد شمخي العسكري حاضرا في ذاكرة أبناء الخضر. ليس لأنه كان آخر رجل شرطة يمتطي صهوة حصان في القضاء فحسب، بل لأنه يمثل زمنا كاملا اختلفت فيه صورة الدولة وعلاقة الناس بها ووسائل الوصول إلى أبعد القرى والأرياف ضمن صنف من الشرطة يسمى شرطة الخيالة.
اليوم، كلما تذكرت ذلك الفارس الذي كان يعبر الطرق الترابية ويعبر السواقي وسط الحقول، أشعر أن المشهد لم يكن مجرد رجل على حصان. كان جزءا من ذاكرة مدينة كاملة، ومن زمن مضى بهدوء تاركا وراءه صورا لا تزال تعيش في أذهان من شاهدوه.
رحل عبد شمخي العسكري، وغاب الحصان الذي ارتبط باسمه، لكن صورة الرجل وهو يشق طرقات الخضر على صهوة جواده ما زالت حاضرة في الذاكرة، وكأنه رفض أن تغادر مع الأيام.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. 7 شهداء في قصف إسرائيلي استهدف نقطة للشرطة بمخيم جباليا
.. إيران تعلن استهداف قاعدة الأزرق في الأردن بالمسيرات
.. ترمب: الضربات على إيران ستستمر حتى أقول إن هذا يكفي
.. حامل اللقب يستعد.. الأرجنتين تنهي تحضيراتها للمباراة أمام إن
.. طهران تعلن استهداف غارات أمريكية لثكنة للجيش الإيراني بمحافظ