الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
هل آن الأوان لإنهاء اختيارية الثقافة النفسية؟
إيرينى سمير حكيم
كاتبة وفنانة ومخرجة
(Ereiny Samir Hakim)
2026 / 6 / 10
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
لم يعد ممكنًا النظر إلى ما يحدث حولنا باعتباره مجرد ظواهر متفرقة أو أحداث عابرة، فكثافة الحضور الاكتئابي بين الكبار، الشباب، المراهقين وحتى الأطفال لم تعد خفية، بل أصبحت ملموسة في تفاصيل الحياة اليومية، في تعابير نتاج معايير مشوَّشة لقيمة الحياة والإنسان، في إنعاكاسات لتيه داخلي وتضليل وعي خارجي، سببه الانسياق خلف غير مؤهَّلين للنصيحة وغير متخصصين للتنوير، منتشرين على منصات للتواصل الاجتماعي تهدف لجماهيرية الربح لا حقًا لنشر الوعي، بل أصبحت في جوهرها تهدم التواصل الاجتماعي! بالتوازي، يتزايد شيوع حوادث الانتحار مؤخرًا، وتتصاعد معدلات العنف بأشكاله المختلفة، من قتل إلى اعتداءات لفظية وجسدية، وكأنَّ هناك خللًا داخليًا يتسع دون أن نلتفت إليه بجدية كافية.
ورغم كل ذلك، لا تزال الثقافة النفسية تُعامَل كأنَّها اختيار شخصي، أو رفاهية يمكن تأجيلها! أو شأن خاص لا يستدعي التعميم. وهنا تكمن المفارقة، إذ نواجه نتائج الإهمال النفسي يوميًا، لكننا لا نتعامل مع أسبابه بنفس الحسم.
والحقيقة أنَّ معرفة النفس واحتياجاتها وأمراضها لم تعد ترفًا فكريًا، ولا تخصصًا مقتصرًا على العيادات أو الكتب الأكاديمية، ولا حتى احتياجًا فلسفيًا لنخبة من المهتمين. بل أصبحت ضرورة إنسانية بحتة. ضرورة لا تقل أهمية عن الشبع، ولا عن الصحة، ولا عن الستر!
فكما يحتاج الجسد إلى غذاء، تحتاج النفس إلى إشباع. وكما يحتاج الإنسان إلى ستر مادي يحميه من العري، تحتاج النفس إلى ستر من عُري ضعفها وهشاشتها. وكما نحرص على علاج الجسد إذا مرض، فإنَّ النفس أيضًا تحتاج إلى رعاية، وترميم، وفهم عميق لما يعتريها من صدمات وضغوط.
المشكلة هنا، ليست في غياب المعلومات، بل في غياب الاعتراف. في كون هذه المعرفة لا تزال تُترك للاجتهاد الفردي، أو للصدف، أو لمن "يضطر" إليها بعد أن تتفاقم أزماته. بينما الأصل أن تكون هذه المعرفة مُعمَّمة، ومُيسَّرة، ومُدمجة في الحياة اليومية، بطرق مباشرة وغير مباشرة.
أن يتعلم الطفل منذ صغره تسمية مشاعره، وأن يفهم المراهق ما يحدث داخله دون خوف أو خجل، وأن يمتلك الشاب أدوات للتعامل مع الضغط والفشل والخسارة، هذه كلها ليست رفاهية تربوية، بل وقاية إنسانية.
ولكي تتحول الثقافة النفسية من "اختيار" إلى "أساس"، لا يكفي الوعي النظري، بل نحتاج إلى إدماجها بشكل فعلي في بنية المجتمع. ويمكن أن يتم ذلك عبر إدخال مبادئ الصحة النفسية ضمن المناهج الدراسية كمهارات حياة حقيقية، وتوفير مختصين نفسيين في المدارس والجامعات بصورة فعَّالة، وتنظيم مساحات منتظمة للحديث عن الضغوط والتحديات في بيئات العمل. في المقابل، يمكن ترسيخها بطرق غير مباشرة من خلال خطاب إعلامي أكثر وعيًا يكسر وصمة الحديث عن النفس، مستندًا إلى مرجعية تخصصية جادة، وأعمال فنية تعكس الصراعات النفسية بعمق، وثقافة أسرية تسمح بالتعبير عن المشاعر دون خوف أو إنكار.
لأن ما نعتبره اليوم "وعيًا إضافيًا"، هو في الحقيقة خط الدفاع الأول ضد الانهيار. وهو فرصتنا في فهم ذواتنا وفهم الآخر، مما يُرسي أساسيات أمان المجتمع وسويته.
وبهذا فإنَّ الإصرار على بقاء الثقافة النفسية في خانة "الاختيار" لم يعد مجرد تقصير، بل أصبح خطرًا. لأنَّ ما لا نفهمه في داخلنا وفي الآخر، قد يخرج في صورة ألم، أو عنف تبادلي!
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. صومالي لاند تبدي استعدادها للمساهمة بـ2000 جندي في قوة الاست
.. 25 عاما على 11 سبتمبر.. كيف ساهمت حروب أميركا في تمدد إيران
.. نافذة من أمريكا | هل ما زالت تداعيات أحداث 11 سبتمبر تحكم وا
.. ما وراء الخبر - كيف استغلت إسرائيل والأنظمة مفهوم الإرهاب لـ
.. سياق الحدث | ما الذي تريده إيران من اجتماع عمان بشأن هرمز؟