الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
من هرمز إلى بيروت: الحرب العالمية بصيغتها الجديدة؟
ليث الجادر
2026 / 6 / 10مواضيع وابحاث سياسية
منذ عقود طويلة اعتاد العالم أن يفهم الحروب الكبرى من خلال الصور التقليدية التي رسختها الحربان العالميتان: جيوش ضخمة، وتحالفات معلنة، وجبهات واضحة، وإعلانات حرب رسمية. لكن العالم الذي نعيش فيه اليوم لم يعد يعمل بهذه الطريقة. فالقوى الكبرى تعلمت أن تخوض صراعاتها بأدوات أكثر تعقيداً، وأن تدير مواجهاتها عبر ساحات متفرقة ووكلاء متعددين ورسائل استراتيجية يصعب على المتابع العادي التقاط معناها الكامل.
ولهذا السبب يبدو كثير من المراقبين عاجزين عن فهم ما يجري في الشرق الأوسط. فهم ما زالوا يبحثون عن البيانات الرسمية والاعترافات المباشرة، بينما تتحرك الوقائع على الأرض في اتجاه مختلف تماماً.
فالمواجهة التي بدأت بوصفها صراعاً بين الولايات المتحدة وإيران لم تعد تبدو كذلك اليوم. فكل تطور جديد يكشف أن نطاق الأزمة أكبر بكثير من الرواية المعلنة، وأن القوى المنخرطة فيها تتجاوز الأطراف التي تظهر أسماؤها في العناوين اليومية.
لقد دخلت الولايات المتحدة هذه المواجهة وهي تمتلك أكبر قوة عسكرية في العالم، وأوسع شبكة قواعد، وأحدث منظومات قتالية. ومع ذلك فإن معيار النجاح في السياسة ليس حجم القوة المستخدمة، بل القدرة على تحويل هذه القوة إلى نتائج سياسية ملموسة. وهنا تكمن المفارقة الأساسية.
فالولايات المتحدة استطاعت أن تستخدم قوتها العسكرية، لكنها لم تستطع حتى الآن تحويل هذا التفوق إلى حسم سياسي نهائي. ومع مرور الوقت ظهرت وقائع جديدة، من بينها خسائر عسكرية نوعية اضطرت واشنطن نفسها إلى الاعتراف بها، وعمليات إنقاذ معقدة، ثم ردود عسكرية محسوبة ومحدودة لا تنسجم مع صورة القوة المطلقة التي اعتاد العالم رؤيتها.
إن السؤال الحقيقي لا يتعلق بإسقاط طائرة أو مروحية بحد ذاته، بل بما يكشفه ذلك من حدود غير معلنة للقوة الأمريكية. فالدول العظمى لا تغيّر سلوكها الاستراتيجي بسبب حادث عابر، بل بسبب إدراكها أن كلفة التصعيد أصبحت أعلى مما كانت تتوقع.
ومن هنا يصبح من المشروع التساؤل: هل كانت الولايات المتحدة تواجه إيران وحدها بالفعل؟
إن الإجابة لا تتطلب ظهور جيوش أجنبية على خطوط النار، ولا تحتاج إلى مؤتمرات صحفية تعلن فيها القوى الكبرى انخراطها المباشر. فالصراعات الحديثة لا تُدار بهذه الطريقة. النفوذ التكنولوجي، والدعم الاستخباري، والغطاء السياسي، والرسائل الاستراتيجية، كلها أدوات تدخل ضمن بنية الصراع حتى وإن بقيت بعيدة عن الأضواء.
ولعل ما جرى على الساحة اللبنانية يقدم مثالاً لافتاً على هذا النوع من الأسئلة. فبينما كان حزب الله يتعرض لضربات عسكرية قاسية، ويواجه اختراقات استخبارية أصابت أجزاء من بنيته التنظيمية والأمنية، ظهرت في المقابل قدرات تقنية جديدة أربكت حسابات الجيش الإسرائيلي وفرضت عليه إعادة النظر في بعض تقديراته العملياتية. ومن بين هذه التطورات برز الحديث عن استخدام تقنيات تعتمد على الألياف الضوئية في تشغيل أو توجيه بعض المنظومات غير المأهولة، بما قلل من فعالية وسائل التشويش والحرب الإلكترونية التي لطالما شكلت أحد أهم عناصر التفوق الإسرائيلي.
واللافت هنا ليس الجانب التقني بحد ذاته، بل التناقض الظاهري بين واقع الاستنزاف العسكري والأمني الذي كان يعيشه التنظيم وبين استمرار ظهور حلول تقنية نوعية في ميدان المعركة. وهذا التناقض يطرح سؤالاً مشروعاً: كيف يستطيع تنظيم يتعرض لكل هذه الضغوط أن يواصل تطوير أدوات قادرة على إرباك واحدة من أكثر المؤسسات العسكرية تقدماً في المنطقة؟
إن هذا السؤال لا يقود بالضرورة إلى إجابة واحدة، لكنه يضيف قرينة أخرى إلى مجموعة القرائن التي تدفع إلى الاعتقاد بأن ما يجري يتجاوز الحدود التقليدية للنزاعات المحلية، وأن وراء بعض التحولات الميدانية شبكات أوسع من الخبرة والدعم والتفاعل الاستراتيجي مما يظهر للعلن.
وفي هذا السياق تكتسب المواقف الصينية الأخيرة أهمية خاصة. فحين تعرب بكين عن قلق شديد تجاه ما يجري في المنطقة، فإنها لا تتحدث بوصفها مراقباً محايداً ينظر إلى نزاع محلي محدود، بل بوصفها قوة كبرى تدرك أن ما يجري يمس التوازنات الدولية التي تقوم عليها مصالحها الاستراتيجية. إن اللغة الدبلوماسية قد تبدو هادئة في ظاهرها، لكن قراءة السياسة لا تتم عبر الكلمات وحدها، بل عبر توقيتها وسياقها وما يرافقها من تحولات على الأرض.
إن الخطأ الأكبر الذي يقع فيه كثير من المراقبين هو التعامل مع ساحات الصراع باعتبارها ملفات منفصلة. فهم ينظرون إلى إيران بمعزل عن الخليج، وإلى لبنان بمعزل عن إيران، وإلى مضيق هرمز بمعزل عن الصراع الدولي الأوسع. لكن الوقائع تشير إلى أن هذه الساحات أصبحت مترابطة بصورة متزايدة، وأن ما يحدث في إحداها ينعكس مباشرة على الأخرى.
ولذلك فإن توصيف ما يجري باعتباره مجرد أزمة إقليمية لم يعد كافياً. فالمشهد الأوسع يوحي بأن الشرق الأوسط تحول إلى إحدى ساحات الصدام العالمي الدائر حول مستقبل النظام الدولي. وليس المقصود هنا حرباً عالمية بالمعنى التقليدي المعروف، بل مواجهة كبرى تخاض بأدوات جديدة، وتتحرك تحت سقف الردع النووي، وتدار عبر الأزمات الإقليمية والنفوذ الاقتصادي والتقني والعسكري.
إن العالم الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة يمر اليوم بمرحلة اختبار حقيقية. وما نشهده ليس مجرد صراع على حدود أو نفوذ محلي، بل صراع على شكل التوازن الدولي نفسه. ولهذا فإن الأحداث الجارية يجب أن تُقرأ ضمن سياق أوسع من حدود الشرق الأوسط، لأنها قد تكون أحد المؤشرات الأولى على ولادة نظام عالمي جديد، تتراجع فيه الهيمنة الأحادية لمصلحة توازنات أكثر تعقيداً وتشابكاً.
من هرمز إلى بيروت، ومن الخليج إلى شرق آسيا، تبدو الخيوط أكثر ترابطاً مما يعتقد كثيرون. ومن يكتفي بقراءة التصريحات الرسمية قد لا يرى سوى نزاعات متفرقة، أما من يقرأ حركة الوقائع ومآلاتها فقد يجد نفسه أمام مشهد مختلف تماماً: صدام عالمي يتشكل بهدوء، ويعيد رسم خرائط القوة في القرن الحادي والعشرين.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. البديل وفوز تاريخي في ساكسونيا أنهالت.. فهل يصل إلى الحكم؟ |
.. باريس سان جرمان يبدأ رحلة الدفاع عن اللقب الأوروبي وسط بداية
.. تصعيد إسرائيلي يهدد السيادة اللبنانية.. هل تتدخل أميركا؟ | #
.. بعد هجمات إيران.. كيف يعيد الخليج حساباته الأمنية؟
.. ما حكاية نووي كوريا الشمالية؟