الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


صراع التمدن واليباس

هندي الهيتي

2026 / 6 / 11
قضايا ثقافية


تخنقني الدموع وتكبر الغصة في صدري كلما قرأت رسائل متبادلة لعراقيين عاشوا في غياهب السجون، وطحنهم المنفى وهم يحلمون بشربة ماء من دجلة أو بموجة من الفرات. إنها مشاعر تنكأ جرح الوجع العراقي، وتكشف عن حجم العذاب الذي كابده العراقيون؛ سواء في الداخل تحت وطأة الظلم، أو في أروقة المنافي والمغتربات الباردة.
ملايين الأرواح، منذ لحظة التأسيس الأولى، مروراً بانتكاسات ما بعد الثورة، وصولاً إلى المحطات الأكثر قسوة بعد عام 1963 وحتى يومنا هذا، تتوارث الغربة والقهر. تتوسع الملاحقات والاغتيالات، وتتعمق أساليب التعذيب وتتنوع أشكالها، وتتعدد طرق الموت؛ من اغتيال في الطرقات، وتفجيرات وحشية في الأسواق، إلى مسالخ بشرية في المعتقلات. لأجل ماذا؟ ومن المتسبب في كل هذه الفجيعة المستمرة؟
لقد باتت تترسخ في داخلي قناعة مريرة، وهي أننا — نحن العراقيين — نصنع عذاباتنا بأيدينا. كأننا لسنا شعباً واحداً، بل «عراقيان» في جسد ممزق: عراقي ينتمي إلى نسل سومر وبابل وآشور، يحمل في جيناته إرث الحضارة، ويتقبل قيم التمدن بأجمل صورها، ويحلم بأن يغرسها في تربة ما بين النهرين مستلهماً روح الحضارة وشغف البناء. وعراقي آخر، غلبت عليه ثقافة الجفاف والقسوة، وعقلية التخلف وجفاء الصحراء والإقصاء التي لم تروضها طيبة أرض الرافدين، فظل يحمل يباس الفكر ووحشية السلوك.
في البدء، كان الاثنان شبه منعزلين، وكلٌّ يعيش في بيئته، وما إن ارتجت الأرض وتحولت السياسة حتى اختلط النمطان، وبدأت منافسة شرسة تطورت إلى ما يشبه حرباً وجودية لا تهدأ. بدأت حين ذاق الطرف الآخر لذة السلطة والوجاهة والمال، فتمادى في قسوته وجلافته وحقده، بديكتاتورية لا توصف إلا بالوحشية، استمرت لعقود؛ ليتشتت الآخرون في موجات الهجرة والشتات وبرد الغربة، أو يقعوا ضحايا لموجات القمع الداخلي واقتلاع كل ما يمت بصلة للإبداع والتنوير.
نعم، كل الشعوب فيها نمطان من الثقافة: نمط ينظر إلى المستقبل، وآخر متقوقع يخاف نور العلم.. لكن الذي يختلف عندنا أن هذا النمط (وبغفلة من الزمن) استطاع أن يستحوذ على السلطة، ويكشف عن كل أحقاده التاريخية ليدمر ويخرب ويقتل ويشوه وجه التمدن العراقي، ويشق نسيج المجتمع. ليشهد العراق انشقاقات وتصادمات طالت حتى بعض الأحزاب السياسية التي اعترتها موجة هذا الصراع، فانشقت إلى تيارات؛ ومن سوء الطالع أن الأجنحة المتخلفة هي من تسلمت مقاليد الحكم وما زالت.. وانكفأ الوجه الآخر مشتتاً، ممزقاً، تائهاً في بلدان المهجر، أو يلفه النسيان في غياهب السجون.
وما بين هذين النقيضين، لا نزال نعيش انقساماً هوياتياً وفكرياً حاداً؛ فكلما رجحت كفة القسوة والجهل، فاضت شوارعنا بالدم، وتقطعت أوصال الوطن، وتعاظم الجرح المتوارث. واليوم، نجد أنفسنا في دورة جديدة من الاستبداد والسطوة، لكنها الأشد إيلاماً؛ لأن السوط هذه المرة بيد من امتلك خبرة عقود في الوحشية والجلد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. 20 مصابا إثر انفجار مستودع نفطي في السليمانية بالعراق


.. -ترمب يعلن التواصل مع حماس-.. والحركة تطالبه بالضغط على إسرا




.. أسير فلسطيني محرر: فرنسا تمهد لترحيلي إلى إسرائيل


.. ترمب: إيران ينبغي أن ترفع الراية البيضاء لإعلان الاستسلام




.. قاعة احتفالات ترامب تتحول إلى معركة.. ماذا يحدث داخل البيت ا