الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مقامة السيرة : المَقَامَةُ الزُّهَيْرِيَّة في شَجَاعَةِ المَوْقِفِ وَنَقَاءِ السِّيرَة.

صباح حزمي الزهيري

2026 / 6 / 12
الادب والفن


عِندما استوتْ أجزاءُ (( المقامات الزهيرية )) الخمسةُ على سُوقِها , ونُشِرتْ لتَرويَ للزمنِ حكايتَها , اتفقتُ مع الناشرِ أن يزدانَ الغلافُ الأخيرُ بسيرةِ حياتي كما عشتُها , لا كما يشتهيها المادحون أو يلوكها العاذلون , وما هي إلا أيامٌ حتى هاتفني صديقٌ من وراءِ البحار , مغتربٌ أقعدَهُ الحنينُ وأضناهُ المسار , فشكرَ لي وصولَ الأجزاء , لكنّه أبدى عجباً غلبَ عليه الارتياب , إذ استغربَ كيفَ خططتُ السيرةَ بكاملِ تفاصيلِها , وعرضتُها بوضوحِها ودقائقِها , بلا رتوشٍ تُخفي الملامح , ولا مساحيقَ تُداري ما ليسَ بصالح , ودون تنكّرٍ لِما مضى , أو محاولةٍ لاسترضاء حدباءَ أو رِضى , كان ردي ان إبراز مفهوم المثقف المسؤول , والتأكيد على أن الشجاعة لا تكمن في ادعاء الكمال , بل في الجرأة على تقديم (( السيرة )) كما هي , كدرس تاريخي للأجيال , يحمل في طياته شجاعة المثقف العضوي , وأصالة من يملك الجرأة على مواجهة مرآة التاريخ دون مواربة أو تجميل , ويحمل شموخ سبعين عاماً من التجربة والفكر.

شرحت له فلسفة السيرة الصادقة , وقلتُ له : يا صاحبي , إننا نعيشُ في زمنٍ عزّتْ فيه المصداقية , وتكاثرتْ في رُبوعهِ الأحكامُ المسبقةُ والأنانيّة , زمنٌ يُراد فيه اختزالُ مسيرةِ الإنسانِ الطويلة في محطةٍ عابرة , أو جرةِ قلمٍ جائرة , وإنّ من تزويرِ المروءةِ أن نُعيدَ صياغةَ الأمسِ ليُواكبَ تقلباتِ اليوم , أو أن نرتديَ لكلّ فصلٍ ثوباً يُنافقُ الهوى , فالتاريخُ لا يُكتبُ بِممحاةِ الخوف , بل بِمدادِ الحقيقةِ والأنَفَة , وكيف لي يا صاحبي أن أبيعَ تاريخي لِقاءَ مَديحٍ زائف , أو أتبرّأَ من جُذوري خَوفاً من لائمٍ أو خائف ؟ وأنا الذي تشرّبتُ الأمانةَ من بيوت الطينِ الأولى , حيثُ كانتِ الجدرانُ بسيطةً لكنّ السقوفَ مَرفوعةٌ بالعزّةِ والمَلا , إنّ من نَبتَ في طينِ الأصالةِ لا يتبدّلُ بتبدّلِ الفصول , ومن تَعلّمَ القراءةَ في أسفارِ التاريخِ الكبرى , يَعلمُ أنّ عُمرَ الإنسانِ ليسَ نُزهةً خاليةً من العِثار, بل هو جِهادٌ ومَواقفُ تُسجّلُ بالإصرار.

قد يختلفُ البعضُ مع بعضِ خياراتي , أو يَجدونَ مَظاناً للنقدِ في مَحطاتِ مَواقفي وقناعاتي لكنّ من صلبِ الإنصاف , وجوهرِ العدلِ والاعتراف , الإقرارَ بأني لم أُوارِ وراءَ السحابِ شمسي , ولم أتنصّلْ يوماً من يومي أو أمسي , بل واجهتُ الحياةَ بقلبٍ جَسور , وتحملتُ تَبِعاتِ خِطابي والسطور , وتلك هي شجاعة الموقف ومسؤولية الاختيار , وهذا ما لهجتْ به شهاداتُ الخُلّصِ الأوفياء , وعمّدتهُ تبريكاتُ النبلاء , فالمصداقيةُ يا أخي لا تَعني دَعوى العصمةِ من الزلل , بل تَعني الصدقَ في عرضِ الفِعالِ والعمل , والوقوفَ بوجهِ الوقائعِ بلا وجل , فالهروبُ شيمةُ العاجز , والمواجهةُ مَذهبُ الحكيمِ الحافز.

وإنّ مَن عاصرَ العواصفَ وعاشَ التحوّلات , وشَهدَ كيفَ تُقلّبُ الأيامُ الدولَ والمقامات , يَعرفُ أنّ المَوقفَ الثابتَ عُملةٌ نادرة , لقد خضنا غِمارَ أزمنةٍ مَشحونةٍ بالخطوب , وكُنّا في قَلبِ الحدثِ لا على الهامشِ المَسلوب , وإنّ محاولةَ محاكمةِ الماضي بِعقولِ الحاضرِ ومصالحهِ هي جِنايةٌ على الوعي , وقِصرُ نظرٍ في السعي , فالشُجاعُ مَن يتركُ شهادتهُ للتاريخِ غَضّةً طريّة , لِتحكمَ عليها الأجيالُ بِتجرّدٍ وحُريّة , وإنّ أعجبَ ما تُبتلى به الثقافة , وتَضيقُ به مساحاتُ اللباقة , هو ذلك المَيلُ العقيمِ لِتنميطِ العقول , وجعلِ التجاربِ الإنسانيةِ قوالبَ صَمّاء لا تقبلُ التحوّلَ أو الأُفول , فمنْ جَعلَ من ذاتهِ قاضياً يمنحُ صكوكَ الغفرانِ أو الحرمانِ بناءً على ريحٍ هبّتْ أو مصلحةٍ جَدّتْ , فقد ضلّ سعيُه , وجَفّ نبعُه.

أما التحريضُ والتخوين , ومَشقُّ عصا الطعنِ في الدينِ أو اليقين , لِمجردِ اختلافٍ في الرأيِ أو رُؤيةٍ مغايرةٍ للزمان , فهو سلوكٌ مَرفوضٌ في شرعةِ الأخلاقِ وقوانينِ الإنسان , إنّه الداءُ الذي لا يُورثُ إلا الضغينة , ولا يخدمُ سوى هدمِ السكينةِ وتعميقِ الانقسام , إنّ الأوطانَ لا تنهضُ على تصفيةِ الحسابات , ولا تَعمرُ بنشرِ الأحقادِ والضغينات , بل ترتقي يومَ أن نَجعلَ (( الإنسانيّةَ )) فوقَ كلّ مذهبٍ وانتماء , وأن نَزنَ الرجالَ بِبذلِهم وعطائِهم لا بما تفرضه أمزجةُ الإقصاء , إنّ سِجالَ الفكرِ مَيدانُه الحِوار , ومَن ضاقَ ذرعاً بسيرةِ مَن خالفه , فقد أعلنَ إفلاسَهُ في مَحفلِ الأحرار , فبناءُ الأوطانِ الحُرّة , لا يستقيمُ إلا بالاعترافِ بحقّ الآخرِ في الكلام , وسردِ تجربتهِ كاملةً تحتَ الشمسِ بلا مَلام , ثم مناقشتها بِقوةِ الحُجّةِ والبرهان , لا بِمطارقِ التحريضِ والإقصاء والبهتان.

صباح الزهيري .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م


.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس




.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا


.. لماذا تعشق ثقافة -راغاره- السيارات الأمريكية الكلاسيكية؟ | ع




.. كونتراست: ألبوم سليم عبيدة القادم، موسيقى تحتفي بالتناقضات