الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


خليل صويلح يشعل وهج الرواية السورية

منير المجيد
(Monir Almajid)

2026 / 6 / 12
الادب والفن


تبدو «ماء العروس» (٢٠٢٥) رواية يعود فيها خليل صويلح إلى الندبة الأولى التي صنعت الطفل والكاتب معاً، تلك اللحظة التي يعرف فيها الراوي أنه يفتح باباً يقوده إلى الظلام ويفتحه رغم ذلك.
هذا الرجوع إلى الداخل لا يشكّل قطيعة مع أعماله السابقة، بل يكشف امتداداً خفياً بدأ منذ «ورّاق الحب» (٢٠٠٢)، وإن بدا غير مرئي عند القراءة الأولى. ففي ورّاق الحب كانت المدينة جسداً والكتابة لعبة إغواء، والجملة الطويلة مجرّد محاولة لالتقاط الحياة قبل أن تفلت، بينما تتحوّل الجملة في ماء العروس إلى وسيلة نجاة، ومحاولة لإنقاذ ما تبقّى من الذاكرة قبل أن تبتلعها العتمة.
وإذا كانت تلك الرواية تكتب المدينة من الخارج، فإن ماء العروس تكتب الصحراء من الداخل، وتكتب دمشق كظلّ.

هذا التحوّل يظهر أيضاً في «سيأتيك الغزال» (٢٠١١)، حيث كان الغزال استعارة للمعنى الذي يُرى.
في ماء العروس يتحوّل هذا الغزال إلى الفلاش ميموري، شيء صغير وهشّ لكنه يحمل ما لا يُحتمل. وكأن الرواية السابقة كانت تدريباً لغوياً وروحياً على كتابة الجرح الذي سيظهر هنا كاملاً.
أما «جنّة البرابرة» (٢٠١٥) فكانت كتابة عن الخراب السوري بوصفه تمزّقاً خارجياً، عن اليوميّ الذي يتحوّل إلى وثيقة، بينما تذهب ماء العروس إلى ما قبل الخراب، إلى الإذلال الوجودي الذي سبق السياسة، إلى العنف حين يصبح ذاكرة.
ولهذا تبدو الجملة «أخاف من الذاكرة أكثر مما أخاف من النسيان» مفتاحاً لقراءة العملين معاً.

بهذا المعنى، تلتقط ماء العروس الخيط الذي يربط مشروع صويلح كله: المدينة في ورّاق الحب، الغياب في سيأتيك الغزال، الخراب في جنّة البرابرة، لكنها تعيد صياغة هذا كله من الداخل، من نقطة الجرح لا من نقطة العالم. ولذلك تبدو الرواية كأنها اللحظة التي يكتمل فيها المشروع من حيث لا يتوقّع القارئ.

تتقدّم الرواية بوصفها نصاً يبحث عن الطريقة التي تتشكّل بها الحكاية، لا عن الحكاية نفسها.
تبدأ من لحظة العثور على الفلاش ميموري، لكنها ليست بداية، بل انفجار زمني يعيد ترتيب الماضي والحاضر معاً، كأن الزمن يرفض أن يُقرأ بخط مستقيم.
كل مسودة زمن، وكل زمن جرح، وكل جرح محاولة للكتابة. هكذا تتشكّل البنية الزمنية داخل الوعي، حيث يقف الطفل والرجل والكاتب في المكان نفسه، يراقبون المشهد ذاته من زوايا متداخلة، في زمن لا يُقاس بالساعات بل بالندوب.

هذا التداخل يفتح الباب أمام تقنيات التخييل الذاتي، إذ يتحوّل الراوي إلى شخصية داخل نصّه، ويتحوّل النص إلى مرآة يرى فيها نفسه وهو يكتب.
الفلاش ميموري ليس أرشيفاً، بل سيرة غير مكتملة تتردّد بين الاعتراف والإنكار، بين الرغبة في التوثيق والرغبة في الهرب.
كل محاولة لكتابة الرواية جزء من الرواية نفسها، وكل فشل في الكتابة يتحوّل إلى نجاح سردي، لأن النص لا يبحث عن الحقيقة بل عن أثرها.
هنا يلتقي العمل مع ما نجده عند إدوار الخراط (ترابها زعفران) أو كوتزي (الصيف) أو كريستوف بولين (الطفل الخائف)، حيث يصبح الكاتب شخصية داخل نصّه، ويصبح النص محاولة لفهم الذات عبر اللغة.

يتحوّل الراوي إلى كاتب عبر رحلة داخلية لا مهنية، فالطفل الذي رأى أباه يُسحب بالحبل هو نفسه الرجل الذي يخشى فتح الفلاش ميموري، وهو نفسه الكاتب الذي يعرف أن الكتابة ليست خلاصاً بل عودة إلى الجرح.
هذا التحوّل يذكّر بما نراه عند إلياس خوري (باب الشمس) أو عبد الرحمن منيف (سيرة مدينة)، لكنه هنا أكثر هشاشة، لأن الراوي لا يملك مدينة كاملة، بل يملك واقعة واحدة؛ في نظرة الإذلال في عيني الأب، وهي التي تصنع الكاتب وتمنحه لغته.

اللغة في ماء العروس ليست أداة بل مناخ، مشغولة على الحافة بين الفصحى المصفّاة والشفاهية البدوية في الجزيرة السوريّة، بين جفاف الصحراء ورطوبة الذاكرة، بين السرد الوثائقي والاعتراف الشخصي. الجملة طويلة لأنها تطارد ظلاً يهرب منها، لا رغبة في البلاغة بل رغبة في التعرية، في كشف ما تحت الجلد. إنها لغة تكتب الخوف لا الحدث، الارتباك لا اليقين، ما لا يُقال لا ما يُقال.

ومع أن الرواية تتحرك في فضاء بدوي، إلا أنها لا تستعيده كأسطورة بل كمخيال متصدّع. حكايات حمّاد الركّاض والخيول والذئب المقطوع ليست تمجيداً للبادية، بل كشفاً لهشاشتها حين تواجه سلطة الدولة الحديثة. هنا تقترب الرواية من إبراهيم الكوني في اشتغاله على الصحراء، لكنها تختلف لأنها تكتب انهيار الفروسية أمام المخفر، وانهيار القبيلة أمام الدولة، والعنف حين يتحوّل إلى بنية داخلية كما في نجيب محفوظ أو محمد شكري.

وعند توسيع المقارنة عالمياً، نجد صدى لساراماغو وكونديرا ومكارثي في اشتغال الرواية على الذاكرة الممزقة والعلاقة بين الوثيقة والخيال، لكنها تظل مختلفة لأنها تنطلق من جرح بدويّ ومن صحراء ليست مجازاً بل واقعاً، ومن تاريخ لم يُكتب وعنف لم يُعترف به.

أما دمشق، فهي ليست مدينة في الرواية، بل عتبة بين الصحراء والمدينة، بين القبيلة والدولة، بين الماضي والحاضر. يصل الراوي إليها لا بوصفها ملاذاً بل بوصفها امتداداً للإذلال، مدينة تستقبله بطوابيرها وصالات انتظارها وصورها الرسمية، برجال يشبهون الدركي الذي سحب أباه.
دمشق نسخة حضرية من الصحراء، صحراء بلا رمل لكنها مليئة بالسلطة والذاكرة والخوف. لا تمنحه هوية جديدة، بل تمنحه وعياً جديداً بغربته، وعياً يجعله يدرك أن الكتابة هي المكان الوحيد الذي يمكن أن ينتمي إليه.

في النهاية، تتشكّل ماء العروس كرواية عن الكتابة حين تصبح محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الذاكرة قبل أن تبتلعها العتمة، عن الزمن حين يتشظّى، وعن الوثيقة حين تتصدّع، وعن الذات حين تكتب نفسها لتنجو.

خليل صويلح يشعل في الرواية السوريّة وهجاً جديداً، ويرفع لها صرحاً يتجاوز حدود الجغرافيا ليمنحها مكاناً في خرائط السرد العالميّ.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م


.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس




.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا


.. لماذا تعشق ثقافة -راغاره- السيارات الأمريكية الكلاسيكية؟ | ع




.. كونتراست: ألبوم سليم عبيدة القادم، موسيقى تحتفي بالتناقضات