الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


من خذل مَن؟ الأكراد وواشنطن بين تحالف الضرورة وحسابات المصالح

حجي قادو
كاتب وباحث

(Haji Qado)

2026 / 6 / 12
مواضيع وابحاث سياسية


من خذل مَن؟
هل خذل الأكراد دونالد ترامب والولايات المتحدة، أم أن واشنطن هي التي خذلت الأكراد بعد أن استنفدت دورهم في خدمة مصالحها؟
إذا عدنا إلى بدايات الحرب الأمريكية على العراق عام 2003 لإسقاط نظام صدام حسين، نجد أن الولايات المتحدة اعتمدت، إلى حدٍّ كبير، على القوى الكردية بوصفها شريكاً أساسياً في تلك المرحلة. فقد استثمرت واشنطن في المظلومية الكردية الناجمة عن عقودٍ طويلة من الاضطهاد والحرمان من الحقوق القومية المشروعة، وأسهم التعاون بين الطرفين في إسقاط النظام البعثي، لتنبثق لاحقاً تجربة الحكم الفيدرالي في إقليم كردستان العراق باعتبارها إحدى النتائج السياسية لتلك المرحلة.
وفي سوريا، ومع تصاعد خطر تنظيم داعش عام 2014، ولا سيما خلال هجومه الوحشي على مدينة كوباني الصامدة، تشكّل تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة، دخل في شراكة عسكرية مع قوات حماية الشعب الكردية، بوساطة ودعم من إقليم كردستان العراق، وعلى رأسه الرئيس مسعود بارزاني. وبفضل الضربات الجوية للتحالف الدولي وصمود المقاتلين الأكراد على الأرض، تحررت كوباني، ثم شاركت قوات البيشمركة مؤخراً في عمليات تمشيط المدينة وتثبيت الأمن فيها ومن ثم مغادرتها ريثما أكملت مهمتها.
لاحقاً، تطورت هذه الشراكة العسكرية إلى تأسيس قوات سوريا الديمقراطية، التي لعبت دوراً محورياً في تحرير مدن منبج والرقة وأجزاء واسعة من دير الزور، وصولاً إلى الباغوز، آخر معاقل تنظيم داعش في سوريا. واستمر هذا التحالف سنوات طويلة، قدّم خلالها الأكراد آلاف الضحايا في الحرب ضد الإرهاب، في معركة اعتبرها العالم بأسره دفاعاً عن الأمن والاستقرار الدوليين.
غير أن التحولات السياسية اللاحقة دفعت واشنطن إلى انتهاج مقاربة مختلفة. فبعد سقوط النظام السوري السابق وصعود السلطة الجديدة في دمشق بتوافقات إقليمية ودولية، مارست الولايات المتحدة ضغوطاً على القوى الكردية للدخول في تفاهمات مع السلطة الجديدة، والتخلي تدريجياً عن جزء من سقف طموحاتها السياسية. وجاءت الاتفاقات التي أُبرمت في تلك المرحلة، ومنها اتفاق العاشر من آذار 2025 وما تلاه من تفاهمات لاحقة، لتعكس حجم الضغوط الأمريكية الهادفة إلى إعادة ترتيب المشهد السوري وفق أولويات جديدة.
كما دفعت واشنطن القوات الكردية إلى الانسحاب من بعض المناطق ذات الغالبية العربية، في خطوة رأى فيها كثير من الأكراد بداية تراجع الالتزام الأمريكي تجاه حلفائها السابقين، خصوصاً مع انفتاح الولايات المتحدة على السلطة الجديدة في دمشق، رغم الخلفيات الإشكالية لبعض رموزها الذين كانوا في مراحل سابقة مصنفين ضمن قوائم الإرهاب.
واليوم، يبدو أن إقليم كردستان العراق يواجه بدوره اختباراً مشابهاً. فمع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، ظهرت اتهامات لبعض الأطراف الكردية بأنها لم تنخرط في السياسات الأمريكية بالقدر الذي كانت واشنطن تتوقعه، خاصة في ظل إصرار القيادات الكردية على الحصول على ضمانات سياسية وأمنية واضحة قبل الانخراط في أي مواجهة إقليمية جديدة. وترافقت هذه الاتهامات مع مزاعم تتحدث عن اختفاء أسلحة أمريكية التي بعثت إلى جهات مرتبطة بالمعارضة الإيرانية ومن ثم ضاعت تلك الأسلحة وعدم وصولها إلى ايدي المعارضة الإيرانية ،متهمة الأكراد بأختفاء تلك الأسلحة من دون اي دليل .
وهنا يبرز السؤال الجوهري: من خذل مَن؟
هل خذل الأكراد الولايات المتحدة بعدما رفضوا أن يكونوا وقوداً لصراعات جديدة لا تخدم مصالح شعوبهم؟ أم أن واشنطن هي التي تخلت عن حلفائها الأكراد كلما تبدلت أولوياتها الاستراتيجية، وتعاملت معهم وفق منطق المصالح المؤقتة لا الشراكات المستدامة؟
إن قراءة التاريخ الحديث للعلاقة بين الأكراد والولايات المتحدة تكشف حقيقة مؤلمة مفادها أن السياسة الدولية لا تُبنى على الصداقات الدائمة ولا على الوفاء الأخلاقي، بل على توازنات القوة وحسابات المصالح. ولعل الدرس الأهم الذي ينبغي أن تستخلصه الحركة السياسية الكردية هو أن الاعتماد المطلق على القوى الخارجية، مهما بدت قوية أو داعمة، لا يمكن أن يكون بديلاً عن بناء مشروع وطني مستقل، يستند إلى وحدة الصف الكردي، وإرادة الشعب، ورؤية سياسية قادرة على حماية المكتسبات وعدم رهن مصيرها لتقلبات السياسات الدولية.
ففي عالم المصالح المتغيرة، لا يكفي أن تكون حليفاً مخلصاً، بل يجب أن تمتلك من عناصر القوة ما يجعلك شريكاً لا يمكن تجاوز حقوقه أو التضحية بها عند أول منعطف سياسي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تحالف أوروبي جديد لتعزيز الدفاعات الأوكرانية في مواجهة الصوا


.. اللوحة الختامية للعرض العسكري بباريس.. مرور 4 قرون على تأسيس




.. دوي انفجارات في جزر إيرانية قرب مضيق هرمز مع استمرار الضربات


.. ترامب يعيد الحصار البحري.. هل بدأت المواجهة الكبرى مع إيران؟




.. قادة وشخصيات دولية يقدمون العزاء في الأمير الوالد الشيخ حمد