الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
كش ملك
عماد أبو حطب
2026 / 6 / 12الادب والفن
كش ملك*
1/ مدينة الطوابع
كنت أحمل في جيبي طابعاً بريدياً قديماً عليه صورة بندقية صدئة، كلما نمت ، تمدد الطابع حتى صار مدينة كاملة ، شوارعها من أختام رسمية، وسكانها رسائل ضائعة تبحث عن أصحابها منذ عقود ، في كل ليلة كنت اسير بينهم ، كانوا ينادوني باسمي القديم، الاسم الذي لم يعد أحد يذكرني به في المنفى ، وحين اقترب منهم لأرد التحية، تتحول المدينة إلى طابع صغير يعود إلى جيبي، وأستيقظ على صمت الغرفة الباردة.
2/ وزارة الغيوم المنسية
افتتحت الغيوم وزارة جديدة فوق المنفى، وظيفتها حفظ ذكريات المناضلين الذين انتهت صلاحيتهم السياسية ، وقفت في الطابور سنوات طويلة، وعندما وصل دوري أخيراً، فتحت الموظفة الغيمية ملفي ، كان فارغاً إلا من صورة باهتة وحذاء مغطى بالغبار.
قالت باعتذار: "يبدو أن أحدهم حذف تاريخك أثناء تحديث النظام." خرجت وأنا اضحك ، كانت تلك أول مرة أشعر فيها أن النسيان أصبح مؤسسة رسمية.
3/ حديقة الأوسمة البرية
في أطراف المدينة نبتت أوسمة معدنية فوق الأشجار بدل الثمار.
كل وسام كان يحمل اسم شخص رحل أو اختفى أو صار هامشاً في خبر قديم ، جلست تحت شجرة مثقلة بالأوسمة ، سقط أحدها في حجري . كان يحمل اسمي.
عندما قلبته وجدت في الجهة الأخرى عبارة صغيرة: "انتهى الاستخدام." أعدته إلى الغصن ومضيت كأني أعيد عصفوراً إلى عشه.
4/ قطار الظلال
كان هناك قطار لا يظهر إلا للذين فقدوا أماكنهم في العالم. صعدت إليه ذات مساء ، وجدت العربات ممتلئة بظلال رفاق ، كانوا يتحدثون بحماس عن المستقبل كما لو أن الزمن توقف قبل أربعين عاماً. ظللت أستمع حتى وصل القطار إلى محطة اسمها "لاحقاً" ، نزل الجميع وبقيت وحدي ، عندها اكتشف أن المحطة مهجورة منذ زمن بعيد.
5/ سمكة الذاكرة
اشتريت سمكة صغيرة من سوق المنفى ، في الحوض بدأت تكبر بسرعة غير طبيعية ، كلما اتسعت، ظهرت داخل جسدها قرية أخرى وشارع آخر ووجه آخر، امتلأت الشقة بالبحر ، صارت الذكريات تسبح بين الأثاث. وفي الصباح اختفت السمكة فجأة، تاركة على الطاولة قطرة ماء واحدة بحجم وطن كامل.
6/ المقهى الذي يشرب زبائنه
كنت أرتاد مقهى غريباً في آخر الحي ، كل يوم يختفي أحد الجالسين فيه دون ضجيج. لا أحد يغادر، ولا أحد يعود.
بعد أشهر أدركت السر: المقهى نفسه كان يشرب زبائنه ببطء، يحولهم إلى كراسٍ فارغة ، نظرت حولي فرأيت مقعدي يزداد شبهاً بي يوماً بعد يوم.
7/أرشيف الريح
عاشت الريح في بناية قديمة وحولت غرفها إلى أرشيف ، كل ورقة هناك كانت ذكرى مهملة.
دخلت أبحث عن نفسي. وجدت آلاف الملفات:
-مظاهرة.
- مطاردة.
-اعتقال.
- وداع.
- انتظار.
لكن الملف الأخير كان أبيض تماماً ، على الغلاف كُتب: "الحياة التي لم تحدث."بقيت أتأمله حتى أغلقت الريح الباب.
8/ بائع النهايات المؤجلة
في السوق رجل يبيع نهايات جاهزة للقصص ، اشتريت منه نهاية سعيدة، عندما فتحت العلبة وجدت شجرة زيتون صغيرة، وقطة نائمة، وشمساً دافئة.
لكن التعليمات المرفقة كانت تقول: "هذه النهاية غير صالحة للاستعمال في المنفى."أعدت العلبة إلى جيبي وسرت.
9/ جمهورية الأحذية
ذات ليلة أعلنت الأحذية القديمة استقلالها.اجتمعت أحذيتي في البرلمان وأصدرت قراراً: "لقد قطعنا مسافات أكثر من صاحبنا"، لم اعترض، كانت الأحذية تعرف المدن والمخيمات والمعابر والطرقات أكثر مما يعرفها أحد.
وفي نهاية الجلسة منحتني الأحذية صفة "مواطن سابق".
10/ التنين الصغير
في زاوية الغرفة عاش تنين صغير مصنوع من القصاصات الصحفية القديمة ، كان يقتات على العناوين المنسية. كلما قرأ خبراً جديداً عن العالم، ازداد التنين نحولاً ، وكلما استعاد ذكرى بعيدة، نما له جناح جديد. بعد سنوات صار التنين ضخماً بما يكفي للطيران.
أما انا، فبقيت جالساً في مكاني، أراقب مخلوقاً صنعته الذكريات وهو يغادر نحو أفق لم يُفتح له أبداً.
*من نصوص مجموعة جديدة مليئة بتخيلات غير منطقية أعمل على تجميعها بعد ان اكتملت مجموعة جديدة قد تحمل عنوان "متاهات الآلات النائمة"بانتظار ناشر يوافق على نشرها.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م
.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس
.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا
.. لماذا تعشق ثقافة -راغاره- السيارات الأمريكية الكلاسيكية؟ | ع
.. كونتراست: ألبوم سليم عبيدة القادم، موسيقى تحتفي بالتناقضات