الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
بيدرو لاتَاس: رحلة بحث عن الصّوت المتعدّد
ضياء البوسالمي
2026 / 6 / 12الادب والفن
ماذا لو لم يكن الصوت مجرد أثر عابر في الهواء، بل طبقة معرفية تكشف عن العالم وتعيد تشكيله؟ هذا السؤال يشكّل نقطة الانطلاق في تجربة الفنان البرتغالي بيدرو لاَتاس، الذي يحوّل الصوت من مادة سمعية إلى أداة بحث في الذاكرة والهوية والعلاقة بين الإنسان ومحيطه.
خلال إقامته الفنية في تونس، ضمن برنامج تنظّمه جمعية "الشارع فن" بين فيفري وجوان 2026، لا يكتفي لاتاس بإنجاز عمل موسيقي بالمعنى التقليدي، بل ينخرط في تجربة أقرب إلى البحث الميداني. فَالصوت لديه ليس نتيجة نهائية، بل مدخل إلى تفكيك العالم وإعادة فهمه. ومن هنا تتجاوز تجربته حدود الموسيقى لتقترب من تقاطعات دقيقة مع العلوم الإنسانية، واللسانيات، والأنثروبولوجيا، وحتى فلسفة المكان.
ينتقل الفنان بين فضاءات ثقافية متعددة، من لشبونة إلى أمستردام وصولًا إلى تونس، وكأنه يجمع أرشيفًا صوتيًا غير مرئي للعالم. في كل محطة، يتعامل مع الصوت بوصفه علامة على طريقة عيش البشر، وعلى البنية العميقة للعلاقات الاجتماعية. لذلك، لا يبحث عن “الاختلاف” كفلكلور أو خصوصية سطحية، بل عن البنية المشتركة التي تجعل من التعدد شكلًا من أشكال الوحدة.
في تونس، يتخذ هذا البحث بعدًا خاصًا. فَالمدينة العتيقة، بأسوَاقها وأزقتها وحركتها اليومية، تتحول إلى مختبر مفتوح. هنا، يصبح كل تفصيل صوتي—نداء بائع، صدى خطوات، ضحكات عابرة، أو حتى صمت مفاجئ جزءًا من مادة العمل. لا يتم التعامل مع هذه الأصوات كعناصر منفصلة، بل كنسيج حيّ يعكس طريقة اشتغال المجتمع ذاته.
اللغة، في هذا السياق، ليست مجرد وسيلة تواصل، بل بنية تفكير وذاكرة جماعية. لذلك يولي لاتاس اهتمامًا خاصًا بالتنوع اللغوي والنبرات اليومية، معتبرًا أن كل اختلاف صوتي هو اختلاف في الرؤية إلى العالم. ومن خلال هذا المنظور، تصبح الأصوات امتدادًا للجغرافيَا، لكنها في الوقت نفسه قادرة على تجاوزها.
ما يميّز تجربة لاتاس هو أنه يحمل معه إلى تونس أصوات مدن أخرى: لشبونة، أمستردام، وربما أماكن أخرى غير مرئية داخل عمله. هذا التداخل بين “الأصوات القادمة” و“الأصوات المحلية” لا يخلق صراعًا، بل طبقات متراكبة من الاستماع، تجعل من المدينة فضاءً مفتوحًا على تعدد التجارب الإنسانية. وهكذا يتشكل جسر صوتي غير مادي بين ضفتي المتوسط، لا يعتمد على السياسة أو الخرائط، بل على الاهتزازات الدقيقة للحياة اليومية.
«أسكت»: الإنصات إلى التنوّع وإعادة اكتشاف الفضاء العام
في هذا السّياق البحثّ، يأتي العرض الفني "أسكت" بوصفه لحظة تكثيف لكل هذه الأسئلة. غير أن العنوان، رغم إشارته إلى الصمت، لا يدعو إلى إلغاء الصوت، بل إلى إعادة اكتشافه عبر الإنصات العميق. إنه صمت من نوع آخر: صمت يسمح بسماع ما لا يُسمع عادة.
يستند العمل إلى فكرة فلسفية قريبة من تصور إدغار موران حول “الوحدة في التعدد والتعدد في الوحدة”. لكن هذه الفكرة لا تبقى في مستوى النظرية، بل تتحول إلى تجربة حسية مباشرة. إذ يقوم العرض على جمع أصوات تبدو في حياتها اليومية متفرقة، بل أحيانًا غير منتبهة إلى بعضها البعض، داخل تركيب صوتي واحد.
نسمع الأذان في تداخل مع ضجيج السوق، وأصوات التلاميذ في المدارس، ومحادثات المقاهي، وحركة الشوارع، وصدى الحياة اليومية بكل عفويتها. لكن ما يفعله العمل ليس تسجيل الواقع كما هو، بل إعادة ترتيبه، وتفكيكه، وإعادة بنائه داخل فضاء فني يجعلنا نعيد النظر في ما نعتبره “عاديًا” أو “غير مهم”.
هنا تحديدًا تتحول التجربة إلى فعل إدراكي. فالمُتلقّي لا يبقى مستمعًا سلبيًا، بل يصبح مشاركًا في إعادة اكتشاف المكان الذي يعيش فيه. الأصوات التي كان يتجاهلها تتحول إلى علامات، وكل علامة تفتح بابًا جديدًا للتأمل في العلاقة بين الإنسان ومحيطه. بهذا المعنى، لا يعرض العمل مدينة، بل يعرض طريقة جديدة لرؤيتها عبر السمع.
كما يطرح "أسكت" سؤالًا عميقًا حول الحدود. فبينما تبدو الحدود السياسية والجغرافية صلبة وثابتة، يكشف الصوت عن هشاشتها. الصوت لا يعترف بجواز سفر، ولا يتوقف عند نقطة تفتيش، بل يتدفق، يتداخل، ويعيد تشكيل نفسه باستمرار. ومن هنا يصبح العمل الفني تأملًا في إمكانية وجود عالم أكثر انفتاحًا، لا يُبنى على الفصل، بل على التداخل.
في هذا التداخل، تصبح المدينة فضاءً متعدد الطبقات، لا يمكن اختزاله في صورة واحدة. فكل صوت هو احتمال مختلف للمدينة نفسها. وكل استماع هو إعادة كتابة لها. وهكذا يتحول الفضاء العام من مكان مألوف إلى تجربة معرفية مفتوحة، تدفعنا إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالآخر، وبالزمن، وبالذاكرة.
إن قوة تجربة بيدرو لاتاس تكمن في أنها لا تقدم إجابات جاهزة. فهي لا تقول ما هو الصوت، بل تسائل كيف نسمعه. ولا تحدد ما هي المدينة، بل تدعونا إلى إعادة اكتشافها. وبين البحث والعمل، بين الإنصات والتأليف، تتشكل مساحة فنية تتجاوز التصنيفات التقليدية.
في المحصّلة، يمكن القول إن مشروع بيدرو لاتَاس لا يتعلق بالموسيقى فقط، بل بطريقة جديدة لفهم العالم عبر الصوت. إنه دعوة إلى التوقف عن اعتبار السمع فعلًا ثانويًا، وإعادة الاعتبار للإنصات بوصفه شكلًا من أشكال المعرفة.
من خلال تتبع الأصوات اليومية وتحويلها إلى مادة فنية، يكشف العمل عن طبقات خفية من الواقع، ويقترح رؤية بديلة للمدينة والإنسان والحدود. وهكذا يصبح الصوت ليس مجرد أثر، بل أفقًا مفتوحًا للتفكير، ومساحة لإعادة تخيل العالم بوصفه شبكة من العلاقات المتداخلة بدلًا من كونه مجموعًا من الانفصالات.
في هذا المعنى، لا ينتهي "أسكت" عند لحظة العرض، بل يستمر في ذهن المتلقي كطريقة مختلفة لسماع العالم: أقل سرعة، أكثر انتباهًا، وأكثر قدرة على التقاط ما كان يبدو غير مسموع.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م
.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس
.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا
.. لماذا تعشق ثقافة -راغاره- السيارات الأمريكية الكلاسيكية؟ | ع
.. كونتراست: ألبوم سليم عبيدة القادم، موسيقى تحتفي بالتناقضات