الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
كاظم جاسم الطائي.. حين تتحول الصحافة الرياضية إلى سيرة مهنية منضبطة
إسماعيل نوري الربيعي
2026 / 6 / 12قضايا ثقافية
ليست قيمة الصحفي فيما يكتب فحسب، بل فيما يتركه من أثر بين الناس، وفي مقدار الثقة التي يودعها القارئ بين يديه كل صباح. فالصحافة، يا رعاك الله، ليست حروفًا تصطف على الورق، وإنما عهد بين الكاتب والمتلقي، وميثاق يقوم على الصدق قبل البلاغة، وعلى الأمانة قبل الشهرة. ومن هنا تبرز أسماء قليلة استطاعت أن تحافظ على مكانتها عبر الزمن، لأنها لم تجعل المهنة سلّمًا للمصلحة، بل جعلتها رسالة تستوجب الوفاء والانضباط. ومن بين تلك الأسماء يبرز الصحفي الرياضي كاظم جاسم الطائي، الذي جمع بين الدراسة الأكاديمية والخبرة المهنية، فكان واحدًا من الوجوه التي تركت أثرًا واضحًا في مسيرة الصحافة الرياضية العراقية. فقد تخرج في كلية الإعلام بجامعة بغداد دورة 1983، ثم مضى في طريق طويل من العمل الصحفي، حتى أصبح رئيسًا للقسم الرياضي في جريدة الصباح، وهي من أهم المؤسسات الإعلامية العراقية.
التحصيل العلمي بوابة الاحتراف
لا يختلف اثنان على أن الموهبة عنصر مهم في العمل الإعلامي، لكن الموهبة وحدها لا تكفي. فالعمل الصحفي يحتاج إلى معرفة ومنهج وأدوات. وكثيرون دخلوا المهنة اعتمادًا على الحماس، لكن القليل منهم استطاعوا تحويل هذا الحماس إلى مشروع مهني متكامل. لقد جاء تكوين كاظم جاسم الطائي من بيئة أكاديمية متخصصة في الإعلام، الأمر الذي منحه فهمًا مبكرًا لطبيعة العمل الصحفي وآلياته. فالصحفي الرياضي لا يكتفي بنقل نتائج المباريات أو متابعة الأخبار اليومية، بل يتعامل مع الرأي العام، ويؤثر في صورة المؤسسات الرياضية واللاعبين والجمهور. وإذا كان التعليم يمنح المعرفة، فإن الخبرة تمنح الحكمة. وعندما يجتمع الاثنان في شخصية واحدة، تتشكل القدرة على التمييز بين الخبر والشائعة، وبين النقد الموضوعي والانفعال العابر. وهذا ما جعل الطائي يحافظ على حضوره المهني سنوات طويلة دون أن يقع في مطبات الإثارة الرخيصة أو الاصطفافات الضيقة.
الخبرة التي يصنعها الزمن
الصحافة الرياضية العراقية مرت بمراحل عديدة. شهدت تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية كبيرة. وتغيرت معها وسائل الإعلام وأدواتها وأساليبها. وفي مثل هذه البيئات المتقلبة يختفي كثير من الأسماء، بينما تبقى أسماء أخرى لأنها تمتلك القدرة على التكيف دون التخلي عن المبادئ. هنا تتجلى قيمة الخبرة المهنية. فالخبرة ليست عدد السنوات فقط، وإنما حصيلة المواقف والاختبارات والقرارات اليومية. يا أحسن الله إليك، إن الصحفي الحقيقي يُعرف عند اشتداد المنافسة وتعارض المصالح وتزاحم الضغوط. ففي تلك اللحظات يظهر معدن الإنسان قبل مهارته. لقد استطاع كاظم جاسم الطائي أن يحافظ على موقعه واحترامه بين زملائه وقرائه لأنه فهم أن الصحافة الرياضية ليست معركة بين الأندية، ولا ساحة لتصفية الحسابات، بل مجال لخدمة الحقيقة الرياضية وإيصال المعلومة الدقيقة وتحفيز النقاش المسؤول.
بين الأمانة المهنية وثقة الجمهور
تظل الثقة رأس المال الأكبر لأي صحفي. فالقارئ يغفر الخطأ العابر، لكنه لا يغفر الخداع المتعمد. ومن يفقد ثقة الناس يفقد أهم ما يملكه في مهنته. ولهذا ارتبط اسم كاظم جاسم الطائي بالأمانة والنزاهة في الوسط الإعلامي الرياضي. وهذه الصفات لا تُمنح بقرار إداري، ولا تُكتسب عبر الألقاب، بل تتشكل عبر سنوات طويلة من السلوك المهني المنضبط. ومتى شاكل اللفظ معناه، ووافق الفعل القول، اطمأن الناس إلى صاحبه، وارتاحت النفوس إلى حديثه. فالإنسان، يا سدد الله خطاك، قد ينجح مرة بالحيلة، لكنه لا يبني تاريخًا بالحيلة. والتاريخ المهني لا يكتبه أصحاب الضجيج، وإنما يكتبه أصحاب المواقف. لقد أدرك الطائي أن الصحفي لا يقف فوق الجمهور، بل يقف إلى جانبه. لذلك جاءت كتاباته ومتابعاته قريبة من نبض الشارع الرياضي، بعيدة عن التعالي والاستعراض، الأمر الذي منحه مكانة خاصة بين المتابعين.
الإدارة الإعلامية ومسؤولية القيادة
الانتقال من موقع الصحفي إلى موقع رئيس القسم يمثل اختبارًا مختلفًا. فالصحفي يدير نصوصه وأفكاره، أما رئيس القسم فيدير فريقًا كاملًا من المحررين والكتّاب والمراسلين. وهذه المهمة تتطلب مهارات إضافية، منها القدرة على التنظيم والتوجيه واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية. فالإدارة الإعلامية ليست سلطة بقدر ما هي خدمة للمؤسسة وللعاملين فيها. وقد أثبتت التجارب أن المؤسسات الناجحة تحتاج إلى قيادات تجمع بين المعرفة المهنية والاتزان الشخصي. لأن الإدارة التي تقوم على الانفعال تُربك العمل، والإدارة التي تقوم على العدالة تعزز الثقة والانتماء. وفي هذا السياق برز دور كاظم جاسم الطائي داخل جريدة الصباح، حيث أسهم في تطوير الأداء المهني للقسم الرياضي، وحرص على تقديم محتوى ينسجم مع مكانة الجريدة وتأثيرها في الرأي العام العراقي.
الصحافة الرياضية بين الرسالة والضجيج
شهد الإعلام الرياضي في العقود الأخيرة تغيرات واسعة. فوسائل التواصل الاجتماعي فتحت المجال أمام الجميع للنشر والتعليق وإبداء الرأي. وأصبح السباق نحو السرعة يتقدم أحيانًا على الدقة. كما أصبحت الإثارة وسيلة سهلة لجذب الانتباه. لكن الصحافة الرصينة ظلت تحتفظ بمكانتها. فالناس يبحثون في النهاية عن المصدر الموثوق، لا عن المصدر الأعلى صوتًا. ويبحثون عن المعلومة الصحيحة، لا عن الشائعة الأكثر انتشارًا. قال بعض أهل البيان إن المعنى إذا اكتسى لفظًا حسنًا دخل القلب سريعًا. لكنهم حذروا أيضًا من الافتتان بالمظهر على حساب الجوهر. وهذا الدرس ما زال صالحًا للإعلام المعاصر. فكم من خبر لامع المظهر ضعيف المضمون، وكم من مادة هادئة صنعت أثرًا أبقى وأعمق. ومن هنا تبدو تجربة كاظم جاسم الطائي مثالًا على الصحفي الذي حافظ على التوازن بين الجاذبية المهنية والمصداقية. فلم يجعل الإثارة غاية، ولم يجعل الشهرة معيارًا للحكم على النجاح.
حضور إنساني يتجاوز حدود المهنة
الوظائف تمنح أصحابها مواقع إدارية، لكن الأخلاق تمنحهم مكانة في القلوب. والناس تنسى كثيرًا من الأخبار والمقالات، لكنها لا تنسى طريقة تعامل الإنسان معهم. لقد ارتبط اسم كاظم جاسم الطائي في الوسط الرياضي بصفات تتجاوز حدود العمل الصحفي المباشر. فالكفاءة المهنية كانت حاضرة، لكن الحضور الإنساني كان حاضرًا كذلك. وهذا ما يفسر حجم الاحترام الذي يحظى به بين زملائه ومعارفه. فالصحفي الناجح لا يكتفي بإتقان أدوات المهنة، بل يحرص على بناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل. لأن المعرفة ترفع صاحبها درجة، بينما الأخلاق ترفعه درجات كثيرة. وما أجمل أن يجتمع العلم والخبرة والنزاهة في شخصية واحدة. فهذه الخصال إذا اجتمعت صنعت نموذجًا مهنيًا يقتدي به الجيل الجديد من الإعلاميين. وذاك هو الإرث الحقيقي الذي يبقى بعد انقضاء السنوات. إن سيرة كاظم جاسم الطائي تقدم درسًا مهمًا لكل من يدخل ميدان الصحافة الرياضية. فالمهنة لا تقوم على الحضور الإعلامي وحده، ولا على كثرة الظهور، وإنما تقوم على المعرفة والانضباط والصدق. تلك هي الأركان التي تصنع الثقة، والثقة هي العملة الوحيدة التي لا تفقد قيمتها مهما تبدلت الأزمنة وتغيرت الوسائل. وإذا كان لكل مهنة رجالها الذين يتركون بصمتهم فيها، فإن كاظم جاسم الطائي واحد من الأسماء التي استطاعت أن تكتب حضورها بهدوء، وأن تحافظ على احترامها بالعمل المتقن والسلوك المهني الرصين.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. القوات الحكومية اليمنية تغير قواعد المواجهة ضد الحوثيين
.. نافذة تحليلية | خطة ترمب لغزة بين التشدد الإسرائيلي والضغوط
.. نشرة إخبارية | سوريا ترد على رسالة نتنياهو من جبل الشيخ.. وت
.. بعد إغلاق قنصليتها في القدس.. هل يتصاعد التوتر بين بريطانيا
.. تسجيل 38 قائمة وحزبا سياسيا في الانتخابات العامة الإسرائيلية