الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


محمد عبد الرضا شياع.. ناقد عبر الجسور الثقافية وباحث في أنساب النصوص العربية والإسبانية

إسماعيل نوري الربيعي

2026 / 6 / 13
الادب والفن


لم يكن النقد الأدبي عند بعض الباحثين صناعة ألفاظ، ولا جمع مصطلحات، ولا استعراض أسماء ومناهج، بل كان رحلة طويلة في طبقات النص، وقراءة لما يختبئ خلف الكلمات من أصول ومرجعيات ومسالك خفية. ومن هذا الصنف من الدارسين يبرز اسم الدكتور محمد عبد الرضا شياع، الذي شق طريقه بين الجامعات العربية، وحمل معه مشروعاً نقدياً انشغل بالسؤال النصي، وبالعلاقات التي تنشأ بين الآداب والثقافات، حتى غدا اسمه مقترناً بدراسات التفاعل النصي والتناص والمقارنة الأدبية. ولئن كان كثير من الباحثين يكتفون بالوقوف عند ظاهر النص، فإن الدكتور محمد عبد الرضا شياع آثر أن يتتبع مساراته البعيدة، وأن ينظر إلى القصيدة بوصفها كائناً حياً يحمل آثار أسلافه، ويحتفظ في أعماقه بأصداء ثقافات متعددة. وهنا تتجلى قيمة الجهد العلمي الذي امتد عقوداً من البحث والتدريس والتأليف والمشاركة الأكاديمية.
بين بغداد والرباط.. رحلة التكوين العلمي
بدأت ملامح هذا المشروع العلمي في كلية الآداب بجامعة بغداد، حيث حصل على شهادة البكالوريوس عام 1984. وكان ذلك التكوين الأول الذي وضعه على طريق الدراسات الأدبية والنقدية. ثم حمله الشغف المعرفي إلى المغرب، حيث وجد في جامعة محمد الخامس بالرباط فضاءً أكاديمياً رحباً. وهناك تابع دراساته العليا في النقد الأدبي الحديث والمقارن، فأنجز دبلوم الدراسات العليا عام 1996 بتقدير حسن جداً، ثم واصل المسيرة حتى نال دكتوراه الدولة في الآداب عام 2001 بتقدير حسن جداً مع تنويه خاص من لجنة المناقشة. يا رعاك الله، إن الباحث لا يصنعه اللقب العلمي وحده، وإنما تصنعه السنوات التي يقضيها في صحبة الكتب، ومجالسة الأفكار، ومراجعة المسلمات، وتمحيص النتائج. ولذلك لم تكن الشهادات التي نالها الدكتور محمد عبد الرضا شياع نهاية المطاف، بل كانت بداية مرحلة أكثر اتساعاً في البحث والنقد.
التناص بوصفه مفتاحاً لفهم الإبداع
اتجهت أبحاثه الأكاديمية نحو قضية شغلت النقد الحديث زمناً طويلاً، وهي علاقة النصوص بعضها ببعض، وكيف تتحاور الآداب عبر الأزمنة واللغات والثقافات. ففي بحثه حول "الرؤيا الشعرية بين المبدع والمتلقي" انشغل بالسؤال الجمالي المتصل بعملية التلقي، وبالطريق الذي تسلكه القصيدة من ذهن الشاعر إلى وعي القارئ. ثم جاءت رسالته للماجستير حول "فيديريكو غارثيا لوركا وعبد الوهاب البياتي: دراسة في التناص". وفي هذا العمل اقترب من منطقة دقيقة تجمع بين الشعر العربي الحديث والشعر الإسباني، متتبعاً آثار التأثير والتفاعل والتجاور الفني. أما أطروحته للدكتوراه، الموسومة "الخلفية النصية الإسبانية والشعر العربي المعاصر: بحث في التفاعل النصي"، فقد مثلت امتداداً طبيعياً لذلك الاهتمام، إذ انتقل من دراسة حالة محددة إلى مشروع أوسع يبحث في العلاقات الثقافية والنصية بين فضاءين أدبيين كبيرين. يا صاح، إن النصوص لا تعيش في عزلة، ولا تولد من فراغ، بل يحمل كل نص شيئاً من ذاكرة النصوص السابقة. ومن هنا جاءت أهمية هذا الاتجاه البحثي الذي كرس له الدكتور محمد عبد الرضا شياع جانباً مهماً من جهده العلمي.
النقد المقارن وبناء الجسور الثقافية
تكشف أعماله عن إيمان عميق بأن الثقافة الإنسانية شبكة من العلاقات المتبادلة، وأن الأدب يزداد غنى كلما انفتح على آداب الأمم الأخرى. فهو لم ينظر إلى الأدب العربي بوصفه جزيرة مغلقة، ولم يتعامل مع الآداب الأجنبية على أنها نماذج بعيدة عن سياقنا الثقافي. بل سعى إلى دراسة مناطق التلاقي والتفاعل، وإبراز الكيفية التي تتحول بها النصوص إلى فضاءات للحوار الحضاري. ومتى شاكل اللفظ معناه، ووافق البحث غايته، ظهرت قيمة العمل العلمي، واتضحت ثماره. ولذلك جاءت دراساته المقارنة بعيدة عن النقل السطحي أو الموازنة الشكلية، واتجهت إلى تفكيك البنى النصية، واستكشاف آليات التأثير والتلقي وإعادة الإنتاج. ولعل هذا المنهج منح أعماله بعداً معرفياً يتجاوز حدود الوصف إلى محاولة تفسير الظواهر الأدبية ضمن سياقاتها التاريخية والثقافية والفكرية.
الأستاذ الجامعي وصناعة الأجيال
لا تقاس قيمة الأكاديمي بما يكتبه فقط، بل بما يتركه في نفوس طلابه من أثر علمي وإنساني. ومنذ عام 1998 مارس الدكتور محمد عبد الرضا شياع مهنة التدريس الجامعي، واستمر في أداء رسالته العلمية عبر سنوات طويلة. وقد عمل في الجامعات الليبية، وأسهم في تطوير البرامج العلمية، والمشاركة في إدارة العمل الأكاديمي. فتولى رئاسة قسم اللغة العربية بين عامي 1999 و2001، ثم شغل مهمة تنسيق الشؤون العلمية لقسمي اللغة العربية واللغات الأجنبية بين عامي 2001 و2003. وهذه المناصب لا تقتصر على الجوانب الإدارية، بل تضع صاحبها أمام مسؤولية بناء البيئة العلمية، وتنظيم النشاط الأكاديمي، والإشراف على تطوير المناهج، ومتابعة حركة البحث العلمي. يا أحسن الله إليك، إن الجامعة لا تنهض بالمباني وحدها، وإنما تنهض بالعقول التي تديرها، وبالأساتذة الذين يحولون المعرفة إلى ممارسة يومية داخل قاعات الدرس وخارجها.
الحضور العلمي في المؤتمرات والندوات
حرص الدكتور محمد عبد الرضا شياع على أن يبقى جزءاً من الحوار العلمي العربي، فشارك في العديد من المؤتمرات والندوات المتخصصة، وأسهم بأبحاث ودراسات نشرت في مجلات ودوريات علمية في أكثر من قطر عربي. وتكشف هذه المشاركات عن سمة مهمة في شخصيته العلمية، وهي عدم الاكتفاء بالبحث الفردي المنعزل، بل الانخراط في النقاشات الأكاديمية التي تسهم في تطوير المعرفة النقدية. كما شارك في لجان تقييم المسابقات العلمية، وترأس عدداً من اللجان المختصة، وهو ما يعكس الثقة العلمية التي حظي بها بين زملائه والمؤسسات الأكاديمية. والباحث، يا سدد الله خطاك، لا يكتمل دوره إذا احتفظ بمعرفته لنفسه، وإنما تزداد قيمة علمه حين يتحول إلى عنصر فاعل في تقويم الأعمال العلمية وتشجيع الطاقات الجديدة.
مشروع لم يكتمل بعد
من يتأمل المسار العلمي للدكتور محمد عبد الرضا شياع يلاحظ أنه ينتمي إلى جيل من النقاد الذين جمعوا بين التكوين العربي العميق والانفتاح على المناهج الحديثة. ولذلك جاءت اهتماماته موزعة بين النقد المقارن، والتناص، والتفاعل النصي، والرؤيا الشعرية، وقضايا التلقي. وله كذلك ثلاثة كتب كانت في طور النشر، الأمر الذي يشير إلى أن نشاطه العلمي لم يتوقف عند حدود الرسائل الجامعية والأبحاث المنشورة. واعلم أن الباحث الحق لا يقيس عمره بعدد السنوات، وإنما يقيسه بعدد الأسئلة التي أثارها، وعدد الأبواب التي فتحها أمام الدارسين من بعده. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى تجربة الدكتور محمد عبد الرضا شياع بوصفها تجربة أكاديمية انشغلت ببناء المعرفة أكثر من انشغالها بصناعة الشهرة. لقد تحرك بين بغداد والرباط والجامعات العربية، وحمل معه هاجس البحث عن الأصول النصية والعلاقات الثقافية الخفية. فكان ناقداً يتتبع أنساب النصوص، وأستاذاً يشارك في صناعة الأجيال، وباحثاً آمن بأن الأدب لا يعيش داخل الحدود الضيقة، بل ينمو كلما اتسعت دوائر الحوار بين الثقافات. وهكذا تظل سيرته مثالاً للباحث الذي جعل من النقد الأدبي عملاً معرفياً متصلاً، ومن الجامعة فضاءً للتكوين، ومن النصوص جسوراً تمتد بين اللغات والحضارات، وتربط الماضي بالحاضر في حركة لا تنقطع.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نبيلة عبيد: أحمد زكي بيندمج جدًا.. وحصلت بيننا مشادة في فيلم


.. مصر فين في سوق الإعلانات؟ المخرج شريف منير يكشف ترتيب الإعلا




.. محلل سياسي: إسرائيل لم تسيطر فعليا على تلة علي الطاهر والروا


.. إسماعيل شيرتوك في جولة فرنسية وياسين بن شقرون عن دعم الفناني




.. حطيت لنفسى شروط الدكتورة نبيله حسن تتحدث عن رحلتها الفنية