الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الفقر والبطالة وصناعة الولاء
صادق جبار حسين
2026 / 6 / 14مواضيع وابحاث سياسية
لم يكن النفوذ الإيراني في العراق نتاجاً للعوامل العقائدية والسياسية وحدها، بل وجد في الفقر والبطالة وضعف الدولة العراقية بيئة مثالية للنمو والتمدد. فكلما تراجعت قدرة الدولة على توفير فرص العمل والخدمات والعدالة الاجتماعية، تقدمت قوى أخرى لملء الفراغ، مقدمةً الرواتب والمساعدات والحماية والوظائف، مقابل بناء شبكات من الولاء السياسي والاجتماعي عابر للحدود .
تشير أحدث البيانات إلى أن معدل البطالة في العراق بلغ أكثر من 15% عام 2024، بينما تجاوزت بطالة الشباب 32%، أي أن نحو ثلث الشباب العراقيين الباحثين عن العمل لا يجدون فرصة حقيقية في سوق العمل. كما لا يزال الفقر يشكل تحدياً كبيراً، إذ يقدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي نسبة الفقر النقدي بنحو 17.5% من السكان، فضلاً عن الحرمان في مجالات التعليم والسكن والخدمات الأساسية.
في بلد يملك أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، تبدو هذه الأرقام صادمة. لكنها تفسر جانباً من الواقع السياسي والاجتماعي الذي تشكل بعد عام 2003، وخصوصاً بعد الحرب ضد تنظيم داعش، عندما توسعت الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران وتحولت تدريجياً من قوى عسكرية إلى مؤسسات تمتلك نفوذاً سياسياً واقتصادياً واسعاً داخل الدولة نفسها.
لم يعد النفوذ الإيراني يعتمد فقط على الخطاب الأيديولوجي أو المذهبي، بل أصبح قائماً على شبكة مصالح اقتصادية ضخمة. فوفقاً لتقارير دولية، تضاعف عدد المقاتلين المدرجين على رواتب هيئة الحشد الشعبي منذ عام 2019، بينما ارتفعت موازنتها إلى نحو 3.6 مليار دولار في عام 2024. هذه الأموال وفرت عشرات الآلاف من فرص الدخل المباشر وغير المباشر في بلد يعاني من أزمة تشغيل مزمنة.
بالنسبة لشاب عاطل عن العمل في مدينة فقيرة أو منطقة مهمشة، فإن الراتب الشهري المنتظم قد يكون أكثر إقناعاً من أي خطاب وطني. وعندما تصبح الوظيفة أو الراتب أو الامتيازات مرتبطة بحزب أو فصيل أو شبكة محسوبية، فإن الولاء ينتقل تدريجياً من الدولة إلى الجهة التي توفر مصدر الرزق. وهنا تكمن خطورة الظاهرة.
لقد نجحت بعض القوى الموالية لإيران في بناء منظومة رعاية اقتصادية موازية للدولة، بحيث أصبح آلاف الشباب يعتمدون عليها في معيشتهم ومستقبلهم. ومع مرور الوقت، يتحول المستفيد من هذه المنظومة إلى مدافع عنها، ليس بالضرورة اقتناعاً بمشروعها السياسي، بل خوفاً من فقدان مصدر دخله أو مكانته الاجتماعية.
وتشير تقارير دولية إلى أن الفصائل الموالية لإيران أصبحت أكثر اندماجاً في مؤسسات الدولة والاقتصاد، مستفيدة من شبكات واسعة من المحسوبية والتمويل والنفوذ الإداري. ويرى باحثون أن هذه الشبكات ساهمت في ترسيخ سلطة تلك الفصائل وتوسيع قواعدها الاجتماعية، خصوصاً في البيئات التي تعاني من الفقر والبطالة وضعف الخدمات.
كما كشفت تقارير غربية عن امتلاك بعض الفصائل نفوذاً مالياً واسعاً من خلال مؤسسات اقتصادية وشبكات مرتبطة بالرواتب والتحويلات المالية، الأمر الذي عزز قدرتها على الاستقطاب والتأثير داخل المجتمع. وتحدثت تقارير عن وجود أكثر من 200 ألف عنصر يتقاضون رواتب ضمن المنظومة المرتبطة بالحشد الشعبي، ما منح تلك القوى ثقلاً اقتصادياً واجتماعياً هائلاً.
النتيجة هي نشوء شريحة اجتماعية ترى أن استمرار هذه المنظومة يصب في مصلحتها المباشرة، حتى عندما تتعارض بعض مواقفها مع فكرة الدولة الوطنية أو مع مبدأ حصر السلاح بيد الحكومة. وهكذا يصبح الولاء للمصلحة أقوى من الولاء للمؤسسات الوطنية، ويتحول الانتماء السياسي إلى وسيلة للحفاظ على الدخل والنفوذ.
ولا يعني ذلك أن جميع مؤيدي القوى الموالية لإيران مدفوعون بالمصلحة الاقتصادية، فهناك عوامل عقائدية وسياسية وأمنية معقدة. لكن من الصعب تجاهل الدور الذي لعبه الفقر والبطالة والجهل في توسيع القاعدة الاجتماعية لهذه القوى. فكلما ازداد عدد الشباب المحرومين من فرص العمل، ازدادت قدرة الجهات المنظمة والممولة على استقطابهم.
إن المعركة الحقيقية على مستقبل العراق لا تدور فقط حول النفوذ الإيراني أو أي نفوذ خارجي آخر، بل حول قدرة الدولة العراقية على استعادة مواطنيها اقتصادياً. فالدولة التي توفر العمل والكرامة والخدمات لمواطنيها لا تترك فراغاً تملؤه القوى المسلحة أو الجهات الخارجية. أما حين يفقد الشاب الأمل بوطنه، فإن أي جهة توفر له راتباً وفرصة للعيش قد تنجح في شراء ولائه، ولو كان ذلك على حساب الدولة نفسها.
ولهذا فإن مكافحة الفقر والبطالة والجهل ليست مجرد قضية اقتصادية، بل هي قضية سيادة وطنية وأمن قومي. فكل وظيفة تخلقها الدولة هي في الوقت نفسه استثمار في الاستقرار، وكل شاب يجد مستقبله داخل مؤسسات وطنه يصبح أقل قابلية للانجذاب نحو شبكات الولاء العابرة للحدود.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. مجلس القيادة اليمني يرفض طلب إيران.. وواشنطن تعاقب طهران مجد
.. ترمب: إيران تريد قتلي.. وتركت تعليمات حال نجاحهم
.. تحذيرات من مخطط إيراني لاغتيال ترامب... ماذا دار بين ترامب و
.. موجة حر في الدول المغاربية وتحذيرات في تونس ارتفاع قياسي في
.. انتقادات لزوجة عمدة نيويورك بسبب -خلوة روحية- في كورسيكا