الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران: إعادة هندسة الدور الإيراني وفق مشروع الشرق الأوسط الجديد.

مهند المدني
سياسي ليبرالي محافظ/ كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي

(Muhannad Al Madani)

2026 / 6 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


خلف الإعلام والتغريدات الموجهة من البيت الأبيض وطهران، هناك ملامح تتشكل ومقاربة أمريكية تسعى لإعادة الزمن إلى ما قبل عام 1979 عبر التفاوض على(فرصة أخيرة)لطهران لاستعادة تموضعها القديم(حارس للمصالح الإقليمية والنموذج الذي جسده الشاه سابقاً) ولكن ضمن بنية أمنية جديدة كلياً لشرق أوسط جديد قيد إعادة الإعمار.
والسؤال هنا: هل تنجح واشنطن في إحياء زاوية منسية من تاريخ المنطقة؟
- منظور البراغماتية التجارية الذي تقوده(السياسة وفق المصالح والسلام بالقوة) والفريق الحاكم للإدارة الأمريكية الحالية يختزل المشهد كالتالي: الولايات المتحدة هي المركز الأم والقطب الأوحد، بينما تُمثل إيران وكيل وقوة اقتصادية وجيوسياسية متوسطة الحجم في حوض إقليمي ساخن بشرط (الإلتزام التام بالإبتعاد عن روسيا والصين والتحالف حصرياً مع الولايات المتحدة وتطبيق السلام مع إسرائيل).
هذه المقاربة الصعبة تُترجم عملياً عبر حزمة شروط جوهرية صلبة ومفروضة بالقوة تهدف إلى تفكيك وإعادة تركيب السلوك الإيراني كالتالي:

1/إنهاء الطموح النووي: صياغة معاهدة قطعية تضمن تصفية كاملة لمخزون اليورانيوم وإغلاق هذا الملف نهائياً.

2/تقويض الأذرع الإقليمية: تجفيف منابع الدعم المالي والعسكري لشبكة الفصائل والوكلاء في المنطقة وعدم توظيفها سياسياً.

3/تجريد الترسانة الردعية: التفكيك الشامل والعلني لمنظومة الصواريخ البالستية وسلاسل إنتاج الطائرات المسيرة.

4/إعادة صياغة خارطة الطاقة: إبرام صفقات جيواستراتيجية تضمن بقاء الفاعل الأمريكي مهيمناً على ثلثي النفط العالمي ومعادن المستقبل النادرة، لضمان قيادة عالم ما بعد النفط.

5/الانخراط في المنظومة الإقليمية: الدخول في سلام دائم ومباشر مع إسرائيل، والاندماد في محور قيادي رباعي يضم (السعودية ، تركيا ، تل أبيب ، إيران).

السؤال: لماذا هذا الإختيار يقع دائماً على طهران وليس على العواصم الأخرى؟
عند تحليل هذا الطرح بميزان (المدرسة الواقعية) سيبرز سؤال جوهري آخر: لماذا تراهن واشنطن مؤسساتياً على إعادة تأهيل خصم عقائدي كإيران، بدلاً من تفويض حلفاء تقليديين وأكثر مقبولية في المنطقة كالسعودية أو تركيا أو باكستان؟
الإجابة: تكمن في الجيوبوليتيك العسكري الذي تراه واشنطن:

أ- السعودية: تمثل ثقلاً اقتصادياً ودبلوماسياً وروحياً هائلاً، لكن بنيتها الاستراتيجية قائمة على الاستقرار والنمو الاقتصادي مثل (رؤية 2030) وهي ليست دولة ذات عقيدة عسكرية توسعية قادرة على فرض الأمن بالمواجهات العسكرية المباشرة والطويلة جواً وبراً وفي ممرات مائية معقدة.

ب- تركيا: تمتلك جيشاً ضخماً، لكن تمددها كشرطي وحارس للمصالح الأمريكية في الخليج يثير حساسية تأريخية(عربية وفارسية) مفرطة بالإرث العثماني، فضلاً عن أن طموح تركيا أكبر من حجم (الوكيل محدود الصلاحية)فهي تتصرف كقوة كبرى مستقلة تنافس الغرب في ملفات حيوية وتطمح لإنشاء قطبها الخاص.

ج- باكستان: غارقة في أزماتها الاقتصادية والسياسية الممتدة، وتقع جغرافياً في جنوب آسيا بعيداً عن قلب الشرق الأوسط، كما أن امتلاكها للسلاح النووي يجعل الغرب حذراً من منحها أي نفوذ يتجاوز حدودها.

هنا تبرز أهمية إيران كـ (مرشح مثالي)في الحسابات الأمريكية، إن إيران تمتلك الجغرافيا للطاقة الأهم بهيمنتها على الضفة الشرقية للخليج ومضيق هرمز الذي من خلاله تتحكم بجزأ من اقتصاد العالم، وتمتلك عقيدة قتالية ومؤسسات أمنية مجربة، والأهم من ذلك: أن إيران المحاصرة إذا جُردت من سلاحها النووي والصواريخ البالستية والمسيرات، وفُصلت عن المعسكر الشرقي(روسيا والصين) ستصبح كينونة ضعيفة بنيوياً، مما يجعلها ملزمة بالكامل (بوصايا السياسة الأمريكية) للإستمرار بقاء نظامها.

- مفارقة مهمة جداً : أين تقع إسرائيل في هذه المعادلة؟
إذا كانت إيران ستلعب دور (الحارس والشرطي الميداني)
فما هو دور إسرائيل؟
في العقيدة الأمنية الأمريكية، لا تمنح واشنطن الوكالة المطلقة لأحد، بل تدير المنطقة بمبدأ توازن القوى الإقليمي وهنا يتوزع الدور كالتالي:

أ- المرجعية العسكرية العليا: إسرائيل (القلعة العسكرية والتكنولوجية المتقدمة) التي تفوق الجميع نوعياً،دورها هو أن تظل القوة الأقوى والمخيفة بشكل عبثي ومدمر في المنطقة لضمان ألا يتجاوز أي حارس وشرطي محلي على الحدود المرسومة له.

ب- الجيوبوليتيك تجاه إسرائيل في المنطقة:تدرك واشنطن الحساسية الثقافية والشعبية تجاه إسرائيل، وتعلم أن تحولها إلى شرطي ميداني مباشر في الخليج أو الممرات الإسلامية سيفجر ثورات شعبية فورية. فالمعادلة تقتضي وجود (قوة إقليمية مسلمة وبالوقت نفسه تحمل جدلية) للعمل التنفيذي على الأرض، بينما تكون إسرائيل العقل التكنولوجي والشريك الاقتصادي للمنظومة.

- رغم هذه الهندسة الأمريكية الدقيقة، إلا أنها تصطدم بالسيكولوجية السياسية للنظام الإيراني الحالي فالعقل الاستراتيجي في طهران لا يتقبل دور الوكيل محدود الصلاحيات. ومظلة الصين وروسيا الحالية توفران لطهران (علاقة ندية مريحة) تضمن بقاء نفوذها الإقليمي وأذرعها دون شروط بنيوية، على عكس العقد الأمريكي الذي يتطلب تبعية وتغييراً في الهوية.
علاوة على ذلك، فإن القبول بالشروط الأمريكية يعني (الانتحار الأيديولوجي) للنظام أمام حاضنته وجمهوره، ونسفاً لسردية (مقاومة الإستكبار والشيطان الأكبر) الممتدة لـ 47 عام. وبميزان الكبرياء الحضاري لا يمكن للنظام الحالي قبول التموضع كشريك أدنى في منظومة تكون لإسرائيل فيها كلمة الفصل والقيادة.

الخاتمة/بعيداً عن المناورات التكتيكية والهدن المؤقتة (مثل هدنة الـ 60 يوماً اذا تم الإتفاق عليها الآن) فإن التسوية الشاملة والنهائية تبدو أشبه بالمستحيل في ظل المعطيات الراهنة.
والاستنتاج يشير إلى أنه إذا رفضت إيران فرصتها الأخيرة. فبمجرد أن تتأكد المؤسسات الأمريكية من شل أو تحييد القدرات العسكرية والنووية الإيرانية بشكل فعلي، ممكن تتجه مباشرة نحو تفكيك هذا النظام عبر خيار (الجراحة العسكرية الاستراتيجية) لكونه يرفض الانصياع لقواعد اللعبة الأمريكية.
وهذا المسار ليس مرتبطاً بعقلية ومزاجية الرئيس ترامب فقط، إنما هو (استراتيجية المؤسسة الأمريكية العميقة) التي ترى في انتزاع حلفاء المعسكر الشرقي في المنطقة خطوة تمهيدية لا مفر منها لتطويق الصين وروسيا في الصراع العالمي الكبير القادم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مفاوضات روما بين لبنان وإسرائيل.. هل تحسم أزمة الجنوب؟ | #را


.. الدفاعات الجوية الكويتية تتصدى لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة




.. الدمازين بين النزوح والعودة.. أكثر من 5 آلاف أسرة تغادر إلى


.. ترمب: تراجعت عن فرض الرسوم بمضيق هرمز بعد اتصالات من دول الم




.. تروى لأول مرة.. مواقف بين الأمير الوالد ونجوم الجزيرة