الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
مقامة مظفرية : ضفائر بطول السالفة شاعر البنادق حين يُهندس العاطفة.
صباح حزمي الزهيري
2026 / 6 / 14الادب والفن
يقول مظفر النواب : (( حجلين الجمّار مشذَّر وگصايب طول السالوفه , مر بيه يفتِّر برموشه وسافين مگصر نفنوفه , ويتلاوه ملاوه من المَحزَم چتفه وچفيته وترچيته , وحنتنه تهلهل بچتوفه , يعيوني تفرگن ع الوادم داير يا مِندار انشوفه , لو دنج دربونة مشمش تفضح ضبين من تشوفه , مريگهن زبده وحنيه وزهديه البارح مگطوفه , من إشفافه وليجوه المحزم حيل مرَسَّمْ , وشوي ويموع بحنيته ويستر ربك حسنه ويلتم )) , هذا النص قطيفة شعرية مترعة بالجمال والدفء , ولوحة بغدادية عتيقة , مغسولة بماء الهور, ومزيّنة بجمال الريف العراقي , حيث يبرع النواب كعادته في تحويل الكلمات إلى (( ألوان وحركة )) تكاد تسمع صوتها وتشم رائحتها.
هذا هو الغزل الحسي الكثيف في المشهدية البصرية للنواب, وهو هنا لا يصف , بل يرسم فيلمًا سينمائيًا قصيرًا بطيء الحركة , المحبوب عنده ليس تمثالاً ثابتاً , بل كائن يتحرك ويموج , (( مر بيه يفتِّر برموشه )) حركة الرموش والدلال تمنح النص نبضاً حياً , (( يتلاوه ملاوه من المَحزَم )) هذا التلوّي والانثناء يجسد الرشاقة والليونة العالية , وكأن جسد المحبوب يتناغم مع الهواء , (( لو دنج دربونة مشمش تفضح ضبين )) هذه الصورة مبهرة بصرياً , انحناءة المحبوب في زقاق (( دربونة )) ضيق ومظلل بأشجار المشمش تكشف عن بياض عنقه أو كتفيه (الضبين/الظبيين) وكأن هذا البياض يضيء عتمة الدربونة ويفضح هذا الجمال المستتر.
يستخدم النواب بيئة (( النخل )) ليعجن الجمال بالطبيعة العراقية , ويختارمفرداتها العراقية الأصيلة التي يندر أن نجدها في شعر آخر , (( الجمّار مشذَّر )) , والجمار قلب النخلة الأبيض الناصع , هنا يمثل بياض الساقين والنقاء , ومطعم بالـ (( شذر )) الأزرق للحماية من الحسد , (( زهدية البارح مگطوفه )) تشبيه الريق أو الشفاه بتمر (( الزهدي )) الذي قُطف البارحة - أي لا يزال طازجاً يقطر عسلاً وحلاوة - هو قمة الذائقة الفلاحية العراقية التي تحول الثمر إلى غزل حسي رقيق ومترع بالدسم والعاطفة ((مريگهن زبده وحنيه )) .
نتفاعل مع الموسيقى الداخلية والقاموس الشعبي الأصيل للنص الذي يفيض بالـ (( عذوبة الموسيقية )) الناتجة عن السجع العفوي واختيار كلمات ذات رنين خاص , والقاموس هنا دافئ جداً (( حجلين , وگصايب طول السالوفه - الضفائر الطويلة كالحكاية - نفنوفه (( فستانه )) , چفيته , ترچيته أقراطه )) هذه المفردات ليست مجرد كلمات , بل هي (( هوية )) وتفاصيل بيت عراقي دافئ , (( وحنتنه تهلهل بچتوفه )) , الحناء هنا لا توضع فقط , بل (( تهلهل )) - تزغرد - فرحاً على أكتافه , وهو استخدام مجازي خارق يجعل الجماد (( الحناء )) كائناً يرقص ويفرح بالجسد الذي يحلّ عليه.
ينتهي المقطع بختام صوفي شهواني لطيف , ليصل ذروة الغزل الغارق في الرقة والدهشة , (( وشوي ويموع بحنيته )) المحبوب من فرط رقته ودلاله يكاد (( يموع )) - يذوب - كالشمع أو الزبد , (( ويستر ربك حسنه ويلتم )) هنا قمة الانبهار , هذا الجمال الفائض والمتناثر من فرط روعته , يحتاج إلى ستر إلهي لكي (( يلتم )) وينجمع ولا يتلاشى من شدة السحر والفتنة.
يثبت مظفر النواب في هذا النص أنه ليس شاعر السياسة والبنادق والتحريض الفج فحسب , بل هو (( مهندس العاطفة العراقية )) , أخذ لغة (( الريف )) و(( المدينة )) وعجنهما معاً ليصنع غزلاً تذوق فيه طعم التمر , وتشم فيه رائحة الحناء , وترى فيه حركة (( النفنوف )) الساحرة , إنه نص يقطر عذوبة وعاطفة شرقية أصيلة , إن هذا المزج العبقري بين حسيّة الجسد وعفة الروح يُعيد إلى الأذهان أرقى تجليات الغزل العربي الأصيل , لكن بنكهة عراقية خالصة لا تشبهها نكهة , فالنواب في هذا النص لا يستعرض جمالاً بارداً أو مفاهيم مجردة , بل يمنحنا (( جمالاً دافئاً )) مشحوناً بنبض الحياة اليومية وتفاصيلها الحميمة التي تألفها الروح وتصون حرمتها , إنه يحول المشهد الحسي العابر إلى حالة من الشغف العذري المتسامي , حيث يتداخل الدلال بالهيبة , وتتحول الرغبة إلى انبهار صوفي يقف مذهولاً أمام بهاء الصنيع الإلهي , لتظل هذه الأسطر شاهدة على قدرة الرفعة الشعرية في تحويل البسيط والدنيوي إلى أثرٍ باقٍ يتردد صداه في وجدان الثقافة العراقية كالحكاية الطويلة التي لا تنتهي.
صباح الزهيري .
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بدأ بالتمثيل فى مسرح الجامعة .. صدفة دخلت خالد جلال عالم الإ
.. -بروفة يوم الحساب-.. مسرحية سورية حول العدالة الانتقالية رفع
.. تغطية خاصة | مسؤول أميركي لـ-رويترز-: واشنطن لا تزال ملتزمة
.. مسؤول أمريكي: استمرار المحادثات الفنية بين واشنطن وطهران
.. قصة ديكور غرفة العزل في فيلم -الفيل الأزرق- من محمد عطية مهن