الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
التخيير والتسيير محرك وعي الإنسان
حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)
2026 / 6 / 14
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
طرح أحد الأصدقاء سؤالًا: كيف يمكن للإنسان أن يكون مخيرًا ومسيرًا في الوقت نفسه؟ ألا يوجد تناقض بين حرية الإنسان في ما يريد فعله، وبين كونه خاضعًا لمشيئة خالقه؟
هنا استحضرتُ مثال البوصلة. فالبوصلة تبدو وكأنها تحمل تناقضًا: فيها قطبان يجذبان ويتنافران. لكن هذه المعادلة المتوترة هي التي تجعلها تعمل بدقة؛ لأن وجود التجاذب بين طرفين شرطٌ لعملها في تحديد الاتجاه. وبدون هذا التنافر ستفقد البوصلة وظيفتها.
وبالمثل، أظن أن الإنسان يحمل داخلَه تناقضًا مشابهًا، لا بوصفه خللًا، بل بوصفه مصدر إنسانيته:
• لو كان الإنسان مسيّرًا بالكامل بلا اختيار، لتحول سلوكه إلى طاعة آلية أشبه بالملائكة.
• ولو كان مُخيّرًا بالكامل بلا حدود أو ضوابط، فقد ينزلق إلى فوضى وسلوك يدمّر نفسه ويُدمّر غيره.
وحتى نُقرّب المعنى أكثر، يمكننا الإشارة إلى أن التوازن بين التخيير والتسيير هو ما يمنح الإنسان إنسانيته؛ إذ يولّد فيه قوة داخلية، ووعيًا يتشكل عبر هذا التوتر غير المرئي بين ما يقرره بملء إرادته، وما يظل قائمًا من سنن وقَدَر. ومن دون هذا التناقض الداخلي، لن تعمل محركات الوعي بالطريقة التي تجعله قادرًا على اختيار اتجاهه في الحياة.
بناءً على ذلك، تبرز في حياتنا مفارقة السلوك؛ فنرى أفعالاً خيرة تصدر أحيانًا من أشخاص لا نتوقع منهم الخير، وفي المقابل نرى أعمالاً سيئة تصدر ممن نعهد فيهم الصلاح والاستقامة. وهنا تبرز مفارقة ثانية تشبه حركة الزكزاك في الصعود والهبوط؛ فكما أن خط التخطيط القلبي يعتمد على تذبذب مستمر ليظل حيًا وفعالًا، فإن ثبات الإيقاع في خط مستقيم واحد يعني توقف الحياة تمامًا، وهي جزئية في غاية الأهمية.
وللمزيد من الإيضاح والتبسيط، يمكن القول إن التناوب بين التسيير والتخيير، وبين الخطأ والصواب، ليس خللاً بالضرورة، بل هو جزء أساسي من آلية عمل النظام الإنساني واستمراره؛ فهذه الثنائية تولّد لدى الإنسان دافعًا للمراجعة، مما يتيح له أن يتعلم، ويصحح مساره، ويعيد توجيه نفسه نحو الأفضل.
وهذا ما يدفعنا إلى القول: إنه لو كان مسار الإنسان مستقيمًا ثابتًا لا يتغير، لما وجد سببًا للتراجع عن الخطأ، أو تطوير الأداء، أو تحسين جودة الحياة؛ تمامًا كقطار يتحرك في اتجاه واحد دون قدرة على الالتفاف أو التغيير.
إن وجود هذا التوتر الداخلي يمنح الوعي الإنساني طاقة حية تقوده إلى التحسين والتجدد الدائمين. ويحتاج هذا المعنى إلى شيء من التدبر لفهم القوة الكامنة داخل ذات الإنسان؛ مثلما اكتشف الإنسان البدائي النار من خلال احتكاك حجرين، فإن احتكاك الثنائيات والتناقضات الداخلية في عقل الإنسان وروحه يولّد شرارة البحث، ويضيء له طريق التطور. بناءً على ذلك، يتضح أن ما نسمّيه تناقضًا في الذات البشرية ليس تناقضًا بالمعنى السلبي المعتاد، بل هو في جوهره منظومة تكاملية تعمل بآلية متناغمة، فداخل هذه المنظومة توجد عناصر تبدو متعارضة، لكن وظيفتها أن تتكامل معًا لتصنع:
• محركات الوعي،
• وآليات العمل الإنساني،
• وأسس التطور والارتقاء.
وعموماً، فإن ما يعنينا الإشارة إليه في هذا الخصوص، هو أن هذه الديناميكية الحيوية هي التي تمنح الإنسان فرادته؛ وبالتالي لا يمكن الإلمام بالإنسان خارج دائرة تفاعل عناصر التسيير والتخيير، والخطأ والصواب، والصعود والهبوط؛ إذ بدون هذا التفاعل لن يكتمل بناؤه، ولن يبقى الإنسان إنساناً بالمعنى العميق للكلمة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بعد 15 شهرا من الفتور، الجزائر تُعيد سفيرها إلى مالي وتفتح أ
.. موجز الأخبار.. تطورات غزة والضفة ومعارك السودان وأزمة الطاقة
.. هل تحمل رحلة طهران إلى صنعاء أهدافا سياسية تتجاوز الجانب الإ
.. إيه بي سي عن مسؤول أمريكي: الإيرانيون طلبوا إجراء مزيد من ال
.. بعد تصعيد هرمز وتصريحات ترمب.. هل تعود المواجهة بين الولايات