الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


قراءة لنثرية - أبحثُ عن وطنٍ – للدكتورة آمال بوحرب

طه دخل الله عبد الرحمن

2026 / 6 / 15
الادب والفن


النثرية:
أبحثُ عن وطنٍ
لا تُحدِّدهُ خرائطُ العابرين
ولا تُقاسُ مسافتُهُ بعمرٍ يُستهلَكُ بين بدايتين
وطنٌ لا يشيخُ في الزمن
ولا يضيقُ حين تضيقُ الجهات
أبحثُ عن وطنٍ
يتجاوزُ حدَّ اللغة
حيثُ يتكلمُ الصمتُ بما تعجزُ عنه الكلمات
ويمتدُّ العطاءُ فيه كضوءٍ لا ينكسر
كأنه وعدٌ أولُ لم تُدنِّسهُ الخيبات
وطنٌ
لا يُقهرُ لأنهُ لا يُحارَب
ولا يفنى لأنهُ يسكنُ ما لا يُفنى
وطنٌ يُقاسُ بعمقِ ما نكون
لا بحدودِ ما نملك
وطنٌ
تبكي له القلوبُ التي ظنّت نفسها صلبة
وترتجفُ عندهُ يقينياتُ القوة
لأنهُ يُعيدُ الإنسانَ إلى هشاشتهِ الأولى
إلى نقائهِ حين لم يكن سوى معنى
وطنٌ يسكننا
ينبضُ فينا إذا ما خذلتنا الأمكنة
ويُحيينا حين تتكاثرُ فينا وجوهُ الغياب
ويذيبُ في أرواحنا عشقًا
لا يحتاجُ إلى اسمٍ ليُعرَف
وطنٌ
بالانتماء يقيسُنا
يختبرُ صدقنا
ويكشفُ هشاشتنا حين نزعمُ الاكتمال
أبحثُ عن أرضِ سلام
لا تُساوِمُ القلبَ على طمأنينته
ولا تُقايِضُ الحريةَ بشروطٍ خفيّة
أرضٌ
لا يُسألُ فيها العابرُ: من أنت؟
فقط يُقالُ له: كن
كما أنت
وكفى
د. آمال بوحرب
*********************


القراءة:
أنطولوجيا الهشيم: تفكيك الوطن بين الجغرافيا والوجود في نثرية "أبحث عن وطن"
ليست نثرية "أبحث عن وطن" للدكتورة آمال بوحرب مجرد شجن لغوي يفيض على الورق، ولا هي بكاء على أطلال ضائعة؛ إنها بالأحرى حفر أنطولوجي في مفهوم الـ"مكان" ذاته، ومحاولة جريئة لتجريد الوطن من أعراضه المادية (الخرائط، العمر، اللغة، الحدود) ثم إعادة تجسيده كفعل وجودي خالص. النص هنا يمارس عنفًا لطيفًا على كل بديهيات الانتماء: فهو يعلن الحرب على الجغرافيا السياسية ليس بقوة السلاح، بل بقوة السؤال المتكرر "أبحثُ عن وطنٍ"، الذي يتكرر كإيقاع جنائزي لمنطق التملك الأرضي.
العمق الأول للنص يكمن في هدمه لفكرة "القياس". فالوطن التقليدي يُقاس (مساحة، تعداد، عمر تاريخي)، أما هنا فيُعلن: "لا تُقاسُ مسافتُهُ بعمرٍ يُستهلَكُ بين بدايتين". الفعل "يُستهلَك" يحوّل العمر إلى سلعة قابلة للنفاد، وبالتالي فالوطن المادي يصبح استهلاكًا بيولوجيًا بحتًا. مقابل ذلك، يقترح النص قياسًا آخر هو "عمق ما نكون" مقابل "حدود ما نملك". هذا قلب للعلاقة: الوجود (ما نكون) يسبق الامتلاك (ما نملك) فالوطن الحقيقي ليس ميراثًا، بل هو كينونة متجددة.
بلاغيًا، يعتمد النص على تقنية نادرة وهي "الاستعارات السالبة" بدلا من أن يقول "وطني كذا"، يقول "وطنٌ لا يشيخ" و"لا يضيق". هذا الإثبات بالنفي يخلق فضاءً من اللانهائي؛ لأن النفي يفتح الاحتمالات بينما الإثبات يقفلها. وعندما يبلغ ذروته البلاغية في "يتجاوز حدَّ اللغة حيث يتكلم الصمت"، يصل إلى مفارقة كونية: الصمت (وهو غياب الصوت) يصبح فاعلاً "يتكلم"، وكأن الوطن المطلق هو ما يسبق التسمية، ما يعجز عنه المعجم البشري. هذه اللفتة وحدها كافية لجعل النثرية نصًا في فلسفة اللغة بقدر ما هي نص في الحنين.
لكن العمق الأكثر إيلامًا، والأكثر جرأة، هو في تحويل الوطن من مكان يُسكَن إلى قوة تسكننا: "وطنٌ يسكننا". استعارتان متعاكستان في جملة واحدة: السكن عادةً للإنسان في المكان، ولكن بعكس العلاقة، يصبح الوطن هو الساكن والقلب هو المسكون. وهذا بالضبط ما يفسر قدرته على "إحيائنا حين تتكاثر فينا وجوه الغياب". "وجوه الغياب" صورة سوريالية مدهشة: الغياب ليس فراغًا سلبيًا، بل له وجوه، تتكاثر، تزدحم، تحاصرنا. لذا فالوطن ليس بديلاً عن المكان، بل هو بديل عن الفراغ.
وأخطر ما في النص، من وجهة نظر نقدية، هو إعلانه "وطنٌ لا يُقهرُ لأنه لا يُحارَب". هذه الجملة، في هدوئها المخيف، تكتب مراجعة كاملة لنظرية القوة. فكل الأوطان التي حوربت دُمّرت، لأنها كانت قابلة للحرب أساسًا. هنا، الوطن غير القابل للحرب هو وطن ما بعد الحرب، وطن لا يملك ترابًا يمكن احتلاله، لأنه تراب الروح. إنه ليس حلمًا سياسيًا، بل هو إعلان استسلام استراتيجي للواقع، لكن هذا الاستسلام هو الانتصار الوحيد الممكن: أن تصنع وطنًا في هشاشتك الأولى، "حين لم يكن سوى معنى".
تكمن القيمة النقدية للعمل في كشفه لـ"أيديولوجيا الصلابة". فالجملة المحورية: "تبكي له القلوب التي ظنّت نفسها صلبة" تُعرّي مفهوم القوة كوهم. و"يقينيات القوة" التي ترتجف، هي كل ما نعرفه عن السلطة، السياسة، والتاريخ المكتوب بالنصر. النص هنا يصوغ أنطولوجيا للهشيم: الوطن ليس ما يبنى، بل ما يبقى بعد أن يحترق كل شيء. ولهذا فهو "لا يفنى لأنه يسكن ما لا يفنى" (أي الروح). وكأن الوطن ليس إلا اسمًا آخر للخلود الشخصي، ليس خلود الجسد، بل خلود المعنى.
في خاتمته، يتحول النص إلى وصية طوباوية أخلاقية: "أرض لا يُسألُ فيها العابرُ: من أنت؟ فقط يُقال له: كن". هذه الجملة وحدها تلخص ثورة النص بأكمله. فالسؤال "من أنت؟" هو سؤال الهوية التقليدية الذي يحمل في طياته إقصاءً (من أنت؟ لونك، دينك، جنسيتك؟). أما الأمر "كن" فهو أعمق فلسفيًا: إنه يعيد الإنسان إلى حالة ما قبل السؤال، ما قبل التصنيف، ما قبل الخريطة. هو دعوة لأن تكون إنسانًا فقط. و"كفى" في النهاية، هي أكثر كلمات النص إيلامًا، لأنها تعني أن كل ما نبحث عنه، كل ما نفتقده، يمكن اختزاله في هذه الثواني الثلاث: أن يُسمح لنا بأن نكون.
النثرية، إذن، ليست بحثًا عن وطن ضائع، بل هي خلق لوطن بديل بقوة اللغة. إنها وثيقة حب لمنطق الحلم ضد منطق التاريخ. عيبه الوحيد، إن وجد، هو مثاليته المفرطة التي تجعله أشبه بدين جديد لا بأرض على الخريطة. ولكن ربما هذا هو بالضبط سر جماله: وطن كهذا لا يُعاش، بل يُقرأ ويُرتجف له.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. البروديوسر أميرة إسماعيل توضح تسلسلات الإنتاج الفني وكواليس


.. كواليس حفل أم كلثوم بباريس: يهودي قام بتنظيمه ونجم فرنسي أشه




.. نسخة جديدة وسحر قديم من فيلم الـ Moana في #الريفيو مع #لميس_


.. لازم البروديوسر يوفر علشان يكون ناجح؟ أميرة إسماعيل تتحدث عن




.. بودكاست 10452 | المخرج والكاتب شربل خليل