الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
حين يصبح المريض رقما!!!
مهند كاظم محمد
2026 / 6 / 15قضايا ثقافية
من بين جميع المهن التي عرفتها البشرية، بقيت مهنة الطب الأقرب إلى الإنسان والأكثر التصاقاً بمعاناته وآماله. فالطبيب لا يتعامل مع أوراق أو أجهزة أو أرقام جامدة، بل يتعامل مع إنسان يحمل ألماً وخوفاً وقلقاً وأملاً بالشفاء. ولهذا ارتبطت هذه المهنة عبر التاريخ بمعاني الرحمة والإنسانية والتضحية، وأصبح الطبيب في نظر الناس أكثر من مجرد صاحب اختصاص، بل صاحب رسالة ومسؤولية أخلاقية وإنسانية.
فعندما يشتد المرض ويضيق الأمل، لا يبحث الإنسان عن طبيب ماهر فقط، بل يبحث أيضاً عن وجه مطمئن وكلمة تبعث الراحة في النفس قبل أن يصل الدواء إلى الجسد. فكم من مريض خفف عنه حديث طبيبه جزءاً من معاناته، وكم من عائلة استعادت شيئاً من الطمأنينة بسبب ابتسامة صادقة أو موقف إنساني نبيل.
لكن الواقع الذي نعيشه اليوم دفع الكثيرين إلى طرح تساؤلات مؤلمة حول العلاقة التي أصبحت تربط بعض المؤسسات الطبية وبعض العاملين فيها بالمريض. فهناك من يشعر أن الطب، في بعض جوانبه، بدأ يبتعد شيئاً فشيئاً عن رسالته الإنسانية ويتجه نحو الحسابات المادية البحتة. وأصبح المريض لدى البعض مجرد رقم في سجل المراجعين، أو حالة تضاف إلى قائمة طويلة من المواعيد اليومية.
ليس المقصود هنا التقليل من حق الطبيب في الحصول على أجره المستحق، فسنوات الدراسة الطويلة والجهد الكبير والمسؤولية الثقيلة تستحق كل تقدير واحترام. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الجانب المادي إلى الغاية الأولى، وعندما يشعر المريض أن قيمة ما يدفعه أصبحت أهم من حجم معاناته.
فالمريض الذي يجلس أمام الطبيب لا يحمل مرضه فقط، بل يحمل معه مخاوف أسرته وأحلام أطفاله وأوجاعه النفسية قبل الجسدية. وربما يكون قد اقترض المال أو باع شيئاً من ممتلكاته ليؤمن تكاليف العلاج. لذلك فإن أكثر ما يحتاجه في تلك اللحظات ليس الوصفة الطبية وحدها، بل الشعور بأنه أمام إنسان يفهم ألمه ويحترم ظروفه.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي القول إن الصورة ليست قاتمة كما يعتقد البعض. فما زالت المستشفيات والعيادات تضم نماذج مشرقة من الأطباء الذين يحافظون على جوهر المهنة ورسالتها الإنسانية. أولئك الذين يقضون ساعات طويلة بين المرضى دون كلل، ويتابعون حالاتهم حتى بعد انتهاء ساعات الدوام، ويعتبرون نجاح العلاج مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون واجباً مهنياً.
هناك أطباء يأتون إلى المستشفى قبل الجميع ويغادرونه بعد الجميع، لا لأن القانون يفرض عليهم ذلك، بل لأن ضمائرهم المهنية تدفعهم إلى البقاء حيث يحتاجهم المرضى. وهناك من يحمل هاتفه معه في كل وقت ليستجيب لاتصال مريض قلق أو أسرة تبحث عن معلومة تطمئنها.
والأجمل من ذلك، أن بين الأطباء من لا يزال يؤمن بأن الطب رسالة رحمة قبل أن يكون وسيلة للرزق. أطباء يعرفون محدودي الدخل من ملامح وجوههم قبل كلماتهم، فيخففون عنهم الأعباء أو يمتنعون عن أخذ أجور الكشف منهم. وبعضهم يرفض أن يحرج المتعفف الذي لا يستطيع دفع الأجر، فيتعامل معه بكرامة واحترام وكأن شيئاً لم يكن.
كم من طبيب دفع ثمن دواء لمريض من ماله الخاص دون أن يعلم أحد، وكم من طبيب بقي إلى جانب مريضه ساعات طويلة خارج وقت عمله، وكم من طبيب فتح باب عيادته لمن عجز عن دفع أجرة الكشف. هذه المواقف قد لا تُكتب في التقارير ولا تُنشر في وسائل الإعلام، لكنها تبقى محفورة في ذاكرة المرضى وعائلاتهم لسنوات طويلة.
إن المجتمع لا ينسى أصحاب المواقف الإنسانية. فقد ينسى اسم الدواء الذي تناوله، لكنه لا ينسى الطبيب الذي عامله باحترام عندما كان ضعيفاً، ولا ينسى اليد التي امتدت إليه عندما عجز عن تحمل تكاليف العلاج، ولا ينسى الكلمة الطيبة التي أعادت إليه الأمل في أصعب لحظات حياته.
ولهذا فإن الحديث عن بعض المظاهر السلبية في القطاع الصحي لا يعني أبداً الإساءة إلى مهنة الطب، بل هو دعوة للحفاظ على قيمتها الإنسانية العظيمة. فالطب كان وسيبقى من أنبل المهن، لكن نبل هذه المهنة لا يُقاس بحجم المباني الحديثة أو الأجهزة المتطورة أو الإيرادات المالية، بل يُقاس بمدى حفاظها على إنسانيتها.
إن أعظم الأطباء ليس بالضرورة من يملك أكبر عيادة أو أكثر شهرة، بل من يخرج المريض من عنده وهو يشعر بأنه لقي إنساناً قبل أن يلقَ طبيباً. فالعلم يصنع طبيباً ناجحاً، أما الرحمة فتصنع طبيباً لا ينساه الناس أبداً.
وفي زمن تتعاظم الحسابات المادية وتطغى فيه لغة الأرقام، تبقى الحاجة كبيرة إلى أولئك الأطباء الذين ما زالوا يرون في المريض إنساناً له ظروفه وآلامه وكرامته، لا مجرد رقم في ملف أو مبلغ في فاتورة. فهؤلاء هم الذين يحفظون للطب روحه، ويجعلون من المهنة رسالة نبيلة كما أرادها الله والإنسانية منذ البداية.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. لقاء الزيدي وترامب.. فصل جديد في العلاقات بين واشنطن وبغداد؟
.. نتنياهو يتوعد قادة إيران.. وترامب يهدد بنسف حصن نظنز النووي
.. وزير الخارجية الإسباني السابق ميغيل أنخيل يشيد بإرث الأمير ا
.. ترمب يعزي أمير دولة قطر في وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خ
.. الرئيس الأوكراني يشارك الرئيس ماكرون الاحتفال بالعيد الوطني