الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الدروس الإستراتيجية من الحرب الأخيرة والمدرسة السياسية الواقعية: بعيداً عن الشعارات والايديولوجية والخطابات الإعلامية الموجهة.
مهند المدني
سياسي ليبرالي محافظ/ كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي
(Muhannad Al Madani)
2026 / 6 / 15
مواضيع وابحاث سياسية
المقدمة: تحول تاريخي في قواعد الاشتباك شهده الشرق الأوسط خلال الحرب الأخيرة وتحولاً جيوسياسياً غير مسبوق، تمثل في خروج الصراع الإقليمي من (المنطقة الرمادية) وحروب الظل والوكالة إلى مواجهة علنية ومباشرة بين القوى الثلاث الرئيسية: (الولايات المتحدة الأمريكية، وإسرائيل، وجمهورية إيران الإسلامية) ورغم الكثافة العالية للخطابات الإعلامية المشحونة بالأيديولوجيا والمواقف الحماسية والإعلام الموجه من مختلف الأطراف، فإن السلوك الفعلي الفاعل على الأرض وتحت الطاولة لم يكن محكوماً إلا بقوانين (المدرسة السياسية الواقعية)، حيث السعي للبقاء، والحفاظ على المكتسبات، وحسابات الكلفة والعائد الاستراتيجي، وميزان (القوة والمصالح والجغرافية)
وليس العقائد والخطابات، وهي لم تكن المحدد الأول والأخير لمسار الأحداث.
1/تآكل الردع التقليدي وصعود حسابات(القوة الهجينة):
لقد وضعت هذه الحرب المفاهيم العسكرية الكلاسيكية أمام اختبار قاسٍ، وأفرزت جملة من الدروس الاستراتيجية الميدانية:
أ- حدود التكنولوجيا والتفوق الجوي: أثبتت المواجهات أن التفوق التكنولوجي الجوي المطلق والأنظمة الدفاعية المتطورة (لإسرائيل والولايات المتحدة) لم تعد كافية لحسم الصراع بشكل خاطف أو شل قدرة الخصم بشكل كامل، فالتكنولوجيا باتت أداة للتدمير، بينما القوة على الأرض والاستراتيجيات الشبكية (الطائرات المسيرة الانقضاضية، الصواريخ الجوالة، والانتشار اللامركزي) هي التي تغير قواعد المعركة وتفرض حقائقها.
ب- قواعد الاشتباك الجديدة وكلفة الردع: انتقل الصراع إلى مرحلة (توازن الرعب المتبادل) وتوسيع الجبهات، حيث أصبح هذا الأسلوب هو الحاكم الجديد لقواعد الاشتباك. هذه المعادلة جعلت كلفة أي مغامرة عسكرية شاملة باهظة جداً على الصعيدين الاقتصادي والبشري، مما أجبر القوى الكبرى على كبح جماح التصعيد والاعتراف الضمني بحدود قوتها.
2/معضلة الحلفاء وعجز المظلات الأمنية لحساب المصالح العليا:
أحد أبرز دروس (الواقعية السياسية) في هذه الحرب تجلى في انكشاف الحلفاء الإقليميين وتضررهم المباشر، حيث تراجعت الالتزامات الأخلاقية والعقائدية أمام المصالح البراغماتية الصرفة:
أ- عجز المظلة الأمريكية: أثبتت مجريات الصراع نسبية (الضمانات الأمنية للدول الكبرى) فالولايات المتحدة برغم ترسانتها وقواعدها العسكرية لم توفر حماية كاملة وشاملة لحلفائها من الصواريخ والمسيرات التي هددت خطوط الملاحة والأراضي الحليفة، رغبةً من واشنطن في تجنب مواجهة شاملة ومباشرة.
ب- المقاربة الإيرانية البراغماتية مع الأذرع: في المقابل تجلت البراغماتية الإيرانية الجافة في عجز طهران (أو إحجامها) عن حماية أذرعها وفصائلها من الضربات العسكرية القاسية والاغتيالات الممنهجة التي طالت قياداتها في مختلف الجبهات، مضحيةً في الكثير من الأحيان بسلامة هؤلاء الوكلاء لحساب استقرار المركز.
3/العبىء العربي ومفارقة (الخاسر الأكبر) واستثمار الصراع:
كشفت الحرب أن المنظومة العربية كانت الخاسر الأكبر والمباشر من هذا الصراع الإقليمي، حيث واجهت معضلة مركبة تتداخل فيها الضغوط الأمنية والاقتصادية:
أ- تحمل الكلفة المباشرة (العراق نموذجاً): تحملت الدول العربية العبىء الأمني والاقتصادي الأكبر جراء الضربات والاضطرابات الملاحية وتصفية الحسابات. ويبرز (العراق) كأكثر الأطراف تضرراً في هذه المعادلة، فرغم تحالفاته وعلاقاته المتوازنة مع أمريكا وإيران، ورغم كونه جداراً استراتيجياً وتبرع شعبه مادياً بغزارة لنظام وشعب ايران، إلا أنه وجد نفسه قريباً من أزمة اقتصادية خانقة إثر توقف وشلل شريانه الاقتصادي الرئيسي المتمثل في تصدير النفط بسبب العمليات العسكرية في مضيق هرمز ومحيطه وصولاً إلى سلطنة عُمان.
ب- دبلوماسية تحت النيران واستثمار الصراع: ظهرت مفارقة واقعية صارخة في إدارة الأزمة، حيث كانت الولايات المتحدة تستثمر سياسياً في قصف إيران لحلفائها، بينما كانت إيران تضغط ميدانياً وعبر وكلائها بقصف حلفاء أمريكا لتعزيز أوراق تفاوضها. وفي وسط هذا الابتزاز المتبادل، كانت الدول العربية ذاتها (حلفاء أمريكا المتضررين) هي التي تقود قنوات التفاوض السري والعلني، وتسعى جاهدة لفتح خطوط حوار بين واشنطن وطهران لإنقاذ المنطقة من حرب شاملة وإنقاذ أنفسها من دمار حتمي.
4/التفوق الاستخباراتي والسيبراني كعصب للمعركة الحديثة:
أثبتت هذه الحرب بما لا يدع مجالاً للشك أن (الاستخبارات والأمن السيبراني، واختراق شبكات الاتصال المشفرة) غدت هي العصب الحقيقي والعمود الفقري للمعركة الحديثة؛ حيث بدت الجبهة الإيرانية مكشوفة استخباراتياً بشكل كبير وخطير، مما جعل بنك أهدافها وقياداتها العليا وخطوط إمدادها اللوجستي تحت العين التقنية والبشرية المباشرة للخصم حتى قبل أن تبدأ أي مواجهة عسكرية على الأرض، وهو ما رجح كفة الضربات النوعية والعمليات الخاطفة.
5/براغماتية الكواليس والبعد الدولي (حرب الاستنزاف):
تعد القدرة على الفصل بين (الخطاب العقائدي الموجه للجماهير) و(السلوك الدبلوماسي الحقيقي) أحد أهم ركائز المدرسة الواقعية التي تجلت في أبعاد الأزمة الداخلية والدولية:
أ- قنوات الاتصال الخلفية وبقاء الأنظمة: في ذروة التصعيد وتبادل القصف استمرت اللقاءات البراغماتية في الكواليس ولم تنقطع القنوات السرية والاتصالات غير المباشرة لضبط (الخطوط الحمراء) وتحديد سقوف الضربات وحتى أحياناً مواعيدها، وكان الهدف الأسمى والوحيد لهذه التفاهمات تحت الطاولة هو الحفاظ على بقاء الأنظمة الحاكمة وحماية المصالح الجيوسياسية العليا، بعيداً تماماً عن الشعارات الموجهة للجماهير.
ب- حسابات المحاور الدولية (حرب الاستنزاف): على المستوى الدولي الأوسع، كشف الصراع عن عمق استراتيجي مخفي، حيث أوشك المحور الشرقي (روسيا والصين) أن ينجح في جعل (إيران وميدان الشرق الأوسط) محطة استنزاف طويلة الأمد للولايات المتحدة والمحور الغربي بالكامل، بهدف إلى إنهاك القوى الغربية واستهلاك ترسانتها واقتصادها قبل الدخول في الحرب الكبرى والمواجهات المحتومة مستقبلاً في ساحات أخرى (كشرق آسيا أو أوروبا الشرقية).
الخاتمة: غياب النصر الكامل وصياغة التوازنات
إن العبرة الاستراتيجية الكبرى التي تقدمها الحرب الأخيرة هي أن الحروب الحديثة في منطقتنا لم تعد تنتهي بنصر ساحق أو هزيمة صفرية تنتهي باستسلام أحد الأطراف. بدلاً من ذلك، تفضي هذه الحروب إلى غياب الإنتصار الكامل وإعادة صياغة (الوضع الراهن الجديد) الذي يفرضه ميزان القوة الصلبة على الأرض وحسابات المصالح والنفوذ. وفي النهاية تتراجع الشعارات والأيديولوجيات والخطابات الحماسية الموجهة للاستهلاك الإعلامي، وتبقى الحقيقة السياسية الوحيدة المكتوبة بدماء الشعوب واقتصاد الدول: (المصالح القومية والنفوذ والإقتصاد والمحاور وحسابات القوة العارية هي التي تدير العالم).
من وعي سومر
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. طلب مفاجئ من ترامب بشأن سوريا ولبنان.. هذا ما قاله لنتنياهو
.. ما وراء الخبر - بعد استهداف مركز للشرطة.. كيف تتلقى المقاومة
.. الجزيرة والمؤسس
.. سياق الحدث | تأرجح مستقبل مضيق هرمز بين التصعيد العسكري والح
.. العالم الليلة | جبل الفأس.. ترمب يهدد بضرب منشأة إيران الخطي