الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الشباب والتغيير السياسي في العراق: من نافذة: (وعي سومر)

مهند المدني
سياسي ليبرالي محافظ/ كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي

(Muhannad Al Madani)

2026 / 6 / 17
المجتمع المدني


مقدمة: في تفكيك أزمة الثقة والوعي المأزوم.
يواجه الخطاب السياسي الموجه للشباب في العراق معضلة بنيوية. وغالباً ما يتم اختزاله في قوالب إنشائية أو مجرد تنظير يفصل بين النظريات الأكاديمية والواقع المرير الذي يعيشه الشاب العراقي يومياً. وإن تشخيص الواقع يفرض علينا أولاً الاعتراف بأن الشاب العراقي لم يعد يثق بالوعود ولا بالشعارات، فهو يرى أمامه واقعاً جداراً من المحاصصة، وغياب تكافؤ الفرص، وهيمنة المال السياسي، وتحول حقوقه الطبيعية في التعليم والعمل الكريم إلى قنوات خاضعة للمحسوبية أو الرشوى أو الولاءات الفرعية.
هذا الانسداد أنتج حالة من الإحباط عند الشباب العراقي، ودفع بكتلة حيوية واسعة إلى الانكفاء أو المقاطعة السلبية. لكن، ومن نافذة قراءة إستراتيجية وواقعية، هل يمكن للمقاطعة أو الاستسلام أن يُنتجا حلاً؟
وهل يمكن لبلد يمتلك هذا العمق الحضاري والوعي المتجذر أن يترك مستقبله لآليات المحاصصة والجمود؟
وبناءً على ما تقدم، سنحاول تفكيك هذا الموضوع من خلال الأبعاد التالية:
1/ البُعد الاجتماعي: من الولاءات الفرعية إلى الهوية الجامعة:
إن التغيير السياسي الحقيقي لا يمكن أن ينطلق من فراغ، بل يجب أن يتأسس على أرضية اجتماعية صلبة. فالمعضلة الاجتماعية الأكبر في العراق تمثلت طوال العقود الماضية في محاولات تفتيت الهوية الوطنية الجامعة لصالح هويات فرعية ضيقة.
وهنا تبرز المسؤولية التاريخية لجيل الشاب الواعي، فالشباب هم القوة الحيوية الأكبر في المجتمع، وهم الأكثر تضرراً من أزمات السكن، والبطالة، وتردي الخدمات. وهذا الاشتراك في المعاناة يجب أن يتحول إلى قاسم مشترك لبناء (كتلة تاريخية شبابية عابرة للمكونات والمناطق) فالوعي الاجتماعي المطلوب اليوم هو الذي يعيد صياغة العقد الاجتماعي على أساس المواطنة والكفاءة.
الشباب هم الأقدر على قيادة هذا التحول لأنهم يتطلعون إلى دولة أمان واستقرار، لا دولة غنائم ومحاصصة.

2/ البُعد السياسي: من الاحتجاج العاطفي إلى المزاحمة البرامجية المنظمة:
سياسياً، يجب الانتقال بالعمل الشبابي (من مرحلة رد الفعل أو الاحتجاج العاطفي المؤقت إلى مرحلة المؤسساتية والنضج البرامجي). فالتغيير في النظم السياسية المعقدة لا يحدث بالتمني، ولا بترك الساحة فارغة لقمم الفساد والبيروقراطية، بل يحدث عبر (المزاحمة والمشاركة الإيجابية). فإن المطلوب من النخب الشبابية المثقفة والدارسة اليوم هو الانخراط الفاعل في العمل السياسي بالتواجد الفعلي وبأدوات حديثة، ترتكز على:

أ- التنظيم الفكري والمؤسساتي: من خلال صياغة حركات وتيارات وطنية مدنية تؤمن بدولة المؤسسات وسيادة القانون.
ب- طرح البدائل الواقعية: تقديم خطط إستراتيجية، ورؤى اقتصادية، وبرامج إدارية قابلة للتطبيق لمعالجة أزمات الدولة.
ج- المزاحمة الانتخابية والسياسية: انتزاع المساحات السياسية عبر فرض منطق الكفاءة والوعي الانتخابي، وتثقيف القواعد الجماهيرية بأهمية صوتهم كأداة للتغيير السلمي المنظم.

3/ البُعد التنفيذي: خارطة طريق لتطوير الشباب وإشراكهم في صناعة القرار:
إن الانتقال من التنظير إلى التطبيق يستلزم أدوات عملية لتمكين الشباب العراقي وبناء قدراتهم ليكونوا فاعلين ومؤثرين في المشهد القادم، وذلك عبر ثلاثة مسارات أساسية:

أ- مأسسة التثقيف السياسي والوعي القانوني:
لا يمكن لشباب عراقي أن يزاحم سياسياً دون فهم عميق لآليات الحكم. يجب العمل على التكثيف في تأسيس (أكاديميات أو صالونات سياسية مستقلة) و (مراكز أبحاث شبابية تُعنى بشرح الدستور العراقي والقوانين الانتخابية وآليات الرقابة على الأداء الحكومي). هذا الوعي المعرفي هو الكفيل بتحويل الطاقة الشبابية من اندفاع حماسي إلى نقد بناء وطرح بدائل تشريعية وتنفيذية ناضجة، وخير مثال على هذا النهج هو ما قدمتهُ فروع امارجي الليبرالي في المحافظات العراقية من ورشات عملية في التثقيف السياسي والوعي القانوني.

ب- صناعة القيادات عبر محاكاة مؤسسات الدولة:
من أهم أدوات إشراك الشباب هو كسر الحاجز النفسي والعملي بينهم وبين إدارة الدولة. يمكن تحقيق ذلك من خلال تفعيل مبادرات مثل (برلمان الشباب الموازي) أو (حكومات الظل الشبابية) على مستوى المحافظات، وعلى أن لا يُفهم ذلك كمعراضة وإنما هي تنظيم لطاقة الشباب وبناء الوعي السياسي للشباب العراقي، فهذه المنصات تدرب الشباب عملياً على صياغة السياسات العامة، ومناقشة الموازنات، وتقديم الرؤى لإصلاح القطاعات الحيوية كإصلاح القطاع العام وتفعيل الطاقات المتجددة، والتحول الرقمي.

ج- تفعيل التكنولوجيا الرقمية والشبكات المحلية:
في عصر الفضاء المفتوح تمثل التكنولوجيا الأداة الأقوى لتنظيم الطاقات العابرة للجغرافيا والمكونات. من خلال إطلاق منصات رقمية للحوار وصناعة المحتوى السياسي الواعي، ويمكن بناء شبكات تواصل تربط النخب الشبابية في مختلف المحافظات. هذه الشبكات الرقمية والمحلية ستعمل كحاضنات للأفكار الوطنية، وتتحول في المواسم الاستحقاقية إلى ماكينات تثقيف انتخابي قادرة على توجيه الرأي العام نحو خيار الكفاءة والبرامج بدلاً من خيار الولاءات الضيقة.
خاتمة: الوعي أداة البناء لا الفوضى:
في الختام، يجب أن نؤمن بأن الوعي هو أداة البناء وليس الفوضى. فالوعي الذي ننشده والذي نستلهمه من عمقنا الحضاري، ليس وعياً يدعو إلى الفوضى أو هدم كيان الدولة، بل هو وعي بنائي، عقلاني، ومسؤول. إنه الوعي الذي يوازن بدقة بين الحداثة والتطوير ومواكبة العصر، وبين الحفاظ على الثوابت الوطنية والقيمية للمجتمع العراقي.
ونعلم تماماً حجم العراقيل وشراسة النظام السياسي التقليدي، لكننا نؤمن بأن حركة التاريخ لا تتوقف. كما نؤمن أنه عندما يمتلك الشباب العراقي الواعي والمثقف زمام المبادرة، ويتسلح بالبرامج العلمية والعملية بدلاً من الشعارات، فإن معادلة الحكم والاستقرار في العراق ستتغير حتماً. فالتغيير يبدأ من وعي الفرد، وينضج بالمؤسسات، ويتحقق بالإرادة الوطنية الصلبة.
من نافذة وعي سومر.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. من رماد الحرائق إلى الإعمار.. إسبانيا تتحرك لإغاثة متضرري إق


.. الرابعة | انفجارات في مدن إيرانية.. وعُمان تؤكد التزامها بات




.. بعد حكم أوروبي.. بولندا تعترف إداريا بزواج المثليين المبرم ف


.. حكم غيابي بإعدام محمد حمدان دقلو، فماذا نعرف عن حميدتي وصعود




.. أخبار الصباح | السودان يحكم غيابيا بإعدام حميدتي.. وتحرك دول