الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الوعي بالذات الوطنية ومقاومة سقوط الهوية الكفاحية للشعب الفلسطينى

منير السباح

2026 / 6 / 17
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


بين ثبات الهوية وسياط الإبادة الجماعية الشاملة، تقف الذات الفلسطينية اليوم أمام أكثر الاختبارات الوجودية قسوة وتطلباً في التاريخ الحديث، حيث لم تعد المعركة مجرد صمود عسكري في الميدان أو مواجهة نيران الطائرات، بل تحولت في عمقها إلى معركة وعي شامل بالذات، معركة تفرض إدارة التوازن الحرج والخطير بين الحفاظ على ثوابت الهوية الشرعية للمقاومة، وبين إنقاذ الإنسان الذي تطحنه الكوارث والضغوط الإنسانية الهائلة التي تجاوزت قدرة البشر على الاحتمال، وفي هذه اللحظات الفاصلة ينزع الوعي بالذات عن نفسه رداء الرفاهية الفكرية أو التأمل النفسي الهادئ، ليصبح استراتيجية نجاة قصوى، وأداة حاسمة لابتكار حلول خلاقة تحمي الروح من السقوط في هاوية الاستسلام، وتمنع المحتل من تحقيق مأربه النهائي في تفكيك المجتمع وإبادته معنوياً وجسدياً.إن الحفاظ على شرعية مقاومة الاحتلال يظل ثابتاً وطنياً وتاريخياً وأخلاقياً لا يختلف عليه اثنان، ولا يقبل القسمة أو المساومة تحت أي ظرف من الظروف، ويتجلى هذا الوعي بالذات السياسية والتاريخية بوضوح عند تفكيك الأطروحات والمبادرات التي تروج لها دولة الاحتلال مدعومة ببعض القوى الدولية، والتي تضع بند نزع السلاح الكامل كشرط أساسي وجوهري للمرور إلى مسارات الإعمار والانسحاب أو وقف إطلاق النار، حيث يدرك العقل الفلسطيني الواعي أن هذا الطرح لا ينطلق من هواجس أمنية بحتة أو رغبة في السلام، بل هو محاولة هندسة لاستسلام وجودي كامل وتفريغ للقضية من مضمونها التاريخي، وتجريد للشرعية يسعى لطمس هوية الإنسان المقاوم وتحويله إلى كائن خاضع بلا حماية، يسقط حقه الطبيعي والشرعي والمنصوص عليه في القوانين والمواثيق الدولية لدفع الظلم ومقاومة سالب أرضه، فضلاً عن كونه فخاً يراد منه إيقاع المجتمع في شرك الفوضى الداخلية والاقتتال العارم بمجرد تجريده من أداة حمايتها وضبطه الأمني، مما يمهد الطريق لتمرير مخططات التهجير وتصفية القضية كلياً.لكن على الكفة الأخرى من هذا الميزان الحرج والمؤلم، يقف المجتمع المثخن بالجراح تحت وطأة كوارث غير مسبوقة ونزوح متكرر طال كل عائلة، فقد تجاوز التعب والإنهاك طاقة البشر؛ فالجوع، والأمراض، وفقدان الأحبة، وتدمير البيوت والمستشفيات، خلّفت ندوباً نفسية وصدمات عميقة قد تمتد لأجيال، وهنا تحديداً يواجه الوعي بالذات المأزق الأكبر والتحدي الأكثر تعقيداً، ويتساءل المرء كيف يمكن لإنسان يستنزفه البحث اليومي عن شربة ماء نظيفة أو خيمة تحمي أطفاله من برد أو حر، أن يحمل وحده عبء الحفاظ على المبادئ الكبرى والشعارات العريضة، خاصة وأن المحتل يراهن تماماً على هذا الإنهاك الحارق للروح ليدفع الناس تحت وطأة الوجع نحو اليأس التام والمطالبة بالخلاص بأي ثمن ولو كان الاستسلام.أمام هذه المعادلة الصعبة، يبرز الحل الخلاق الذي ينبثق من الوعي الاستراتيجي ليرفض الجمود والصيغ الصفرية، فالوصول إلى مخرج حقيقي يتطلب الانتقال من الوعي الانفعالي اللحظي إلى وعي قادر على الفصل الذكي بين أداة السلاح كأداة مادية تخضع للمتغيرات السياسية، وبين جوهر المقاومة كحق مشروع وفكرة وسلوك وهوية متجذرة في وعي الشعب لا يمكن انتزاعها، ومن هنا يتشكل فقه الضرورة والتحول التكتيكي عبر رفض مصطلح نزع السلاح بصيغته الاحتلالية المهينة، والاستعاضة عنه بمفهوم الترتيبات الأمنية السيادية التي تسلم إدارة الملف الأمني والصلاحيات الميدانية لقوة أو لجنة وطنية فلسطينية خالصة ذات بعد توافقي لإدارة شؤون الإعمار والحياة، بحيث يُحيّد السلاح ميدانياً لحماية الحاضنة الشعبية وتخفيف الضغط الرهيب عنها وفتح الباب لشفاء الجراح والتعافي، ولكن دون تسليمه للعدو أو الرضوخ لإملاءاته التجريدية التي تسلب الحقوق وتلغي شرعية الدفاع عن النفس الكفيلة بحماية الوجود.ويكمل هذا الحل الخلاق مساره عندما يدرك المجتمع أن الصمود النفسي والمجتمعي والتكافل الإنساني في أوقات الكوارث هو في حد ذاته أعلى درجات المقاومة وأكثرها تأثيراً، فعندما تصبح الضغوط النفسية والاجتماعية أداة هدم يستخدمها المحتل لكسر الإرادة، فإن الوعي بالذات يملي على المجتمع تفعيل شبكات الأمان الذاتية؛ كتقاسم لقمة العيش, وإقامة المبادرات التعليمية البسيطة تحت ركام المدارس المدمرة، وتقديم الدعم النفسي والمعنوي المتبادل بين الأسر النازحة، وهي سلوكيات تحمي البنية الاجتماعية من الانهيار الأخلاقي الذي يريده الاحتلال، بالتوازي مع تمسك سياسي حازم يرفض أي غموض في الاتفاقيات، ويربط أي ترتيبات ميدانية بالانسحاب الشامل والكامل للاحتلال، ورفع الحصار الكلي، وفتح المعابر، مع وجود أفق سياسي حقيقي ومضمون يقود إلى السيادة وحق تقرير المصير، لأن أي طرح لا يضمن هذه الكرامة السياسية والسيادية هو مجرد عملية تجميل لاستسلام مرفوض ترفضه تضحيات هذا الشعب وثوابته الراسخة.إن الوعي بالذات الفلسطينية في هذه اللحظة الراهنة والمصيرية يعني إدراك أن حفظ حياة الناس وحماية الحاضنة الشعبية وتأمين سبل عيشها وإعمار ما دمرته الحرب هو أولوية قصوى تتقدم على كل شيء، ولكن دون أن يكون ذلك على حساب إسقاط شرعية الوجود أو التفريط بالحق التاريخي والشرعي الثابت في مقاومة الاحتلال، وتكمن الخلاصة في ابتكار مرونة سياسية وتكتيكية شجاعة تحمي الأجساد المنهكة وتفتح طاقة أمل للتعافي وإعادة البناء، بالتوازي مع صلابة مبدئية في الوعي ترفض التفريط بالهوية؛ فالسلاح قد يغير شكله أو آلية تموضعه وإدارته استجابة لظروف قاهرة وحقناً للدماء، لكن وعي الشعوب بحقها وحريتها وشرعية مقاومتها للمحتل هو السلاح الأبدي والأقوى الذي لا يمكن لأي اتفاق أو قوة غاشمة في هذا العالم أن تنزعه أو تبيده.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الحزب الاشتراكي في فرنسا يحسم في طريقة اختيار مرشحه لرئاسة ا


.. محمد نبيل بنعبد الله يوضح ما تم تداوله حول المؤتمر الإقليمي




.. مهند دليقان لتفزيون سورية: يخيروننا بين موت مؤكد وموت محتمل


.. زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي تؤكد ترشحها للانتخابات الرئاسية




.. من سيدي امحمد أومرزوق.. نبض جماهيري يجدد العهد مع حزب التقدم