الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
يوميات الحرب والحب والخوف (26)
حسين علي الحمداني
2026 / 6 / 17الادب والفن
(26)
مضى نصف اليوم الثاني كأنّه ثوانٍ معدودة. اللحظات الحلوة تركض، وأيام الانتظار تتمدد سنين ضوئية. لكن فرحة واحدة صادقة تمسح كل الحروب، التي مضت والتي ستجيء.
كانت جولة السيارة على كورنيش بو جعفر المطل على المتوسط. المشهد أعادني لفرحتي الأولى وأنا أعبر شط العرب، جندياً في طريقي إلى الساتر. تمثال السياب الشامخ هناك كان يؤشر للجنود: "من هنا الجبهة". كنت في الثامنة عشرة أعبر شط العرب أفتش عن ساتر، عن بندقية، عن رصاصة. اليوم أقف على ضفة المتوسط أبحث عن سيابٍ آخر، يؤشر لجهات لا سواتر فيها ولا بنادق.
هي من تقود السيارة، كأنها حادي القوم. لا قرار لي، تمشي بي حيث تشاء. لا أحمل إلا علبة سجائر، لم أدخن منها منذ الصباح سوى واحدة. لست أريد ترك التدخين، أنا أدخن بمزاجي لا بمزاج السيجارة. السيجارة عندي أنثى، عندهم مجرد دخان. لا أدخن أمام أمي وأبي، ولا أمام تلاميذ مدرسة السموأل في الخالص النائمة قرب دجلة. مرة أخطأت وأشعلت سيجارة أمام معلمة كنت مديرها. نظرت وقالت: "أنت لا تشبه زوجي حين يدخن".
سألتها: كيف يدخن زوجك؟
قالت: "بعنف. يسحق عقب السيجارة بقدمه حين ينتهي. أما أنت فتدخن بهدوء. السيجارة بين أصابعك مسترخية، ترفض أن تصل إلى حافتها، كأنها تريد البقاء بين يديك. حتى رمادها يأبى السقوط على الأرض، تجمعه في منفضة أنيقة تشبهك".
قلت: "زوجك يدخن سيجارة من تبغ وورق، وأنا أتنفس سيجارة. هذا هو الفرق".
من تقود السيارة في سوسة قالت: "هذا كورنيش بو جعفر".
قلت: "أكيد يزدحم يوم الأحد؟"
قالت: "نعم، يوم العطلة. تعرف أن عطلتنا الأحد".
قلت: "أعرف، هذا إرث فرنسي. عطلتنا جمعة وسبت كما تعلمين. بعضنا يصلي الجمعة خلف إمام لا يعرفه، وبعضنا يصليها خلف دجلة ويعرفها. وآخرون لا يصلون، لكنهم يحاسبونك إن أخطأت في الوضوء، أو سهوت، أو أسبلت يديك أو كتفتهما".
توقفت السيارة عند رصيف عريض. نزلنا. هي تعرف طريقها، وأنا أتبعها كما كنت أتبع عباءة أمي في كربلاء. كنت أمسك طرف عباءتها وهي تطوف حول ضريح جدنا الحسين، تمسح الشباك ثم تمسح وجهي وتتمتم بدعاء أو نذر لا أفهمه تماماً. أتبعها الآن. دخلنا مطعماً. شعرت بالجوع. القيمر، كما تقول أمي، لا يشبع المعدة. يسيح.
جلسنا متقابلين في زاوية، قرب واجهة زجاج تطل على الكورنيش. تذكرت أني لم أصرف العملة بعد. نظرت إليّ وقالت: "لا تفكر بالتصريف. الكسكسي بالعلوش هنا مجاني لمن كان فطوره قيمر وخبز حار وشاي بالهيل".
أكملتُ: "ولمسة يد وخد".
ضحكت وقالت: "لكنه سيتأخر قليلاً، يُطهى على البخار. هل ذقته من قبل؟"
قلت: "لا، لكن سمعت به".
قالت: "بإمكانك أن تدخن وأنت تشرب العصير. أعرف أنك لم تدخن منذ ساعتين أو أكثر".
قلت: "لا أحتاج، لكن هذا النادل ينظر كأنه يعرفك؟"
قالت: "لا، هو ينظر إليك. ربما يتساءل من هذا الأسمر الذي يجلس في مكان لا يدخله إلا السياح الأوروبيون".
اقترب النادل يحمل قنينة ماء زجاجية. فتحها، صبّ في كأسين. قلت له بلهجتي العراقية التي تفوح منها رائحة بساتين الخالص: "ممنون أغاتي".
توقف، ثم سأل: "من وين إنت؟"
قلت: "العراق".
ذهب مسرعاً كمن اكتشف سراً. تحدث مع امرأة مسنة تجلس في صدر المطعم، كأنها مديرته. نهضت تحمل وردتي ياسمين، واقتربت منا.
قالت: "عسلامة. نوّرت سوسة أيها العراقي".
مدت يدها، أعطتني ياسمينة، وأعطتها الأخرى.
قلت: "شكراً سيدة الياسمين".
قالت: "أنتما أول عراقيين يدخلان هذا المطعم".
شعرت بفخر غريب، ودموع لم أستطع منعها. عادت إلى مكانها. لممت الياسمين الأبيض، وهي تمسح دمعها الذي جعلها عراقية هي الأخرى.
قلت لها: "كان عليّ أن ألبس الشاشية لأبقى تونسياً، أو أصمت أمام النادل".
قالت: "وتحرمني من أن أكون أول عراقية تدخل هذا المطعم؟ يا الله، كم أنت رائعة يا صغيرتي الجميلة".
قلت: "حقك. أنا بحاجة لسيجارة فعلاً".
أخرجتها من العلبة، وكانت الولاعة بيدها. أشعلت لي سيجارة بطعم الياسمين.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م
.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس
.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا
.. لماذا تعشق ثقافة -راغاره- السيارات الأمريكية الكلاسيكية؟ | ع
.. كونتراست: ألبوم سليم عبيدة القادم، موسيقى تحتفي بالتناقضات