الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الكلمةالطائشة والوطن المستباح: عندما تصبح الكتابة في الشأن العام معولاً للهدم
منير السباح
2026 / 6 / 18المجتمع المدني
ليست الكتابة في الشأن العام ترفاً يزجي به المرء وقته، ولا هي مجرد منصة لطلب الشهرة أو ملاحقة التفاعل الرقمي؛ إنها في جوهرها وقوفٌ على ثغر من ثغور الوطن، وخطوة في حقل ألغام فكري وإنساني شديد الحساسية. إن الكلمة التي تنطلق دون وعي سياسي ناضج، أو دراية بالمعادلات الاقتصادية المعقدة، ودون معايشة حقيقية لآلام الناس وآمالهم، هي رصاصة طائشة قد لا تقتل شخصاً بمفرده، بل تغتال وعي مجتمع بأسره.لا يمكن لكاتب أو مؤثر أن يصنع فارقاً حقيقياً وهو يعيش في برج عاجي، منفصل عن نبض الشارع وظروفه المعيشية اليومية؛ فالمصداقية لا تُشترى بل تُولد من رحم المعاناة والالتحام بالناس. والكتابة السطحية الاستعراضية، التي تفتقر للإدراك التام للمسؤولية الوطنية، سرعان ما تتحول إلى أداة لتزييف الوعي وتضليل الرأي العام، وبث الروح السوداوية التي تقتل في نفوس الجماهير مقومات الصمود، وتجعلهم يستسلمون لواقعهم بدلاً من السعي لإصلاحه.وتتضاعف هذه الخطورة اليوم مع صعود النخب الرقمية والمؤثرين الذين يملكون منصات عابرة للحدود وقدرة على توجيه مئات الآلاف في قضايا مصيرية بلمسة زر. إن انجراف بعض هؤلاء وراء "التريند" والمشاهدات، والخوض بجهل في ملفات سياسية وأمنية بالغة الحساسية، يصنع رأياً عاماً زائفاً، ويشتت طاقات المجتمع في معارك هامشية وصراعات ثانوية تُضعف الجبهة الداخلية في أحلك الظروف وأصعب التحديات.إن الكارثة الحقيقية تبدأ عندما يتخلى أصحاب الكلمة عن مسؤوليتهم الأخلاقية والوطنية، فيتحول النقد البناء إلى تخريب فكري، وتتحول المنابر إلى سواقٍ لضخ الفتنة والتخوين المتبادل والاحتراب اللفظي. هذا التراشق لا يقف عند حدود الشاشات، بل يتسرب كالنار في الهشيم ليقسم المجتمع عمودياً وأفقياً، ويمهد الأرضية النفسية للاقتتال الداخلي. ومع تصاعد التحريض وغياب صوت الحكمة والتعالي على العادات والتقاليد وصمام الأمان القيمي، تندفع المجتمعات نحو نفق الحرب الأهلية المظلم، حيث تضطر الدولة والمجتمع لتقديم تنازلات قاتلة تقضم من سيادتها وتماسكها.في هذه المرحلة من الإنهاك والإضعاف الممنهج، يصل المجتمع إلى "نقطة اليأس المطلق"؛ حيث ينعدم الأمن، وينهار الاقتصاد، ويصبح المواطن البسيط مستنزفاً ومسكوناً بهاجس الخلاص الفردي بأي ثمن. وهنا تفرض الخيارات الصفرية المريرة نفسها؛ فإما الهجرة الجماعية واقتلاع الكفاءات والعقول وتصفية الوجود البشري للوطن، وإما القبول بالخيار الأشد مرارة: الانصياع والاستسلام لحكم المليشيات المسلحة والقوى التابعة للاحتلال والوصاية الخارجية، لمجرد حقن الدماء وتأمين لقمة العيش المغمسة بالذل.إن الكلمة أمانة، وحماية المجتمعات وثوابتها ومقومات صمودها هي الخط الأحمر الذي لا يقبل المساومة. والكاتب أو المؤثر الذي يستسهل بث الفتن وتفكيك الروابط الوطنية، هو شريك أصيل في صياغة هذا المصير الأسود، فالبيئات الممزقة هي المرتع الخصيب للاحتلال وعملائه، والكلمة الطائشة هي دائماً أول معول في هدم الأوطان
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. المغرب يمنع المهاجرين وإسبانيا تعزز انتشارها الأمني بسبتة
.. شبكات | كم مليون دولار وكم كيلوغرامًا من الذهب ضُبطت في العر
.. الإعدام شنقًا لـ4 أشقاء لقتل محامية وإلقائها من شرفة منزلها
.. أحكام الإعدام بحق رموز النظام السوري المخلوع.. عدالة متأخرة
.. أخبار الصباح | سبتة.. بوابة الموت إلى أوروبا ومأساة تبتلع عش