الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


لماذا تفشل الأحزاب عندما تجعل السلطة هدفها الأول

صفاء العطية التميمي

2026 / 6 / 19
مواضيع وابحاث سياسية


في الحياة السياسية، تسعى الأحزاب بطبيعتها إلى الوصول إلى السلطة. وهذا أمر مشروع، بل إنه جزء من وظيفة العمل السياسي في الأنظمة الديمقراطية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول السلطة من وسيلة لتحقيق مشروع وطني إلى غاية قائمة بذاتها. عندها يتغير سلوك الحزب وتتغير أولوياته، ويصبح النجاح مرتبطاً بعدد المناصب التي يحصل عليها، لا بقدرته على خدمة المجتمع أو بناء الدولة.

لقد شهد العالم تجارب عديدة لأحزاب وصلت إلى الحكم بسرعة، لكنها فقدت تأثيرها أو انهارت بعد سنوات قليلة. وفي المقابل، استطاعت أحزاب أخرى أن تحافظ على حضورها لعقود طويلة لأنها لم تجعل السلطة هدفها الوحيد، بل اعتبرتها أداة لتنفيذ مشروع فكري ووطني أوسع.

إن الحزب الذي يجعل السلطة هدفه الأول يبدأ تدريجياً بتكييف أفكاره ومواقفه وفقاً لما يحقق له مكاسب سياسية آنية. فتتراجع المبادئ أمام الحسابات الانتخابية، وتصبح التحالفات مرتبطة بالمصلحة المؤقتة أكثر من ارتباطها بالرؤية الاستراتيجية. ومع مرور الوقت يفقد الحزب هويته الفكرية ويجد نفسه عاجزاً عن تقديم إجابات واضحة عن الأسئلة الكبرى التي تواجه المجتمع.

ولا يقتصر الأمر على الجانب الفكري فقط، بل يمتد إلى البنية التنظيمية للحزب نفسه. فعندما تصبح السلطة هي الغاية العليا، تتحول المواقع التنظيمية إلى وسائل للوصول إلى المناصب، ويبدأ التنافس الداخلي على النفوذ بدلاً من التنافس على الإنجاز. وبدلاً من أن يكون الحزب مدرسة لإعداد الكفاءات والقيادات، يتحول إلى ساحة صراع بين الطامحين للمواقع.

ومن أخطر نتائج هذا النهج أن الحزب يبدأ بالنظر إلى الدولة بوصفها مورداً سياسياً يجب السيطرة عليه، لا إطاراً وطنياً يجب خدمته. وعندما يحدث ذلك تتراجع المصلحة العامة أمام المصالح الحزبية الضيقة، وتصبح مؤسسات الدولة عرضة للتسييس والاستغلال، وهو ما يضعف قدرتها على أداء وظائفها الأساسية.

إن التجارب السياسية تثبت أن الأحزاب التي تنجح في الوصول إلى السلطة من دون مشروع دولة واضح غالباً ما تواجه أزمة حقيقية عند ممارسة الحكم. فهي تمتلك أدوات القرار لكنها تفتقر إلى الرؤية. وتجد نفسها منشغلة بإدارة الأزمات اليومية لأنها لم تبنِ تصوراً متكاملاً لمستقبل الدولة والمجتمع.

في المقابل، فإن الأحزاب التي تنطلق من مشروع وطني واضح تستطيع أن تتعامل مع السلطة بوصفها وسيلة لا غاية. فهي لا تقيس نجاحها بعدد المناصب التي تحصل عليها، بل بمدى قدرتها على تحقيق أهدافها الاستراتيجية وخدمة المواطنين وتعزيز قوة الدولة.

ومن هنا تأتي أهمية الرؤية التي تضع الدولة قبل السلطة. فالدولة ليست ملكاً لحزب أو جماعة أو حكومة، وإنما هي الإطار الجامع لجميع المواطنين. وعندما تصبح قوة الدولة هي الأولوية، تتحول السلطة إلى أداة للبناء والإصلاح، لا إلى هدف للتنافس المجرد.

إن العراق اليوم بحاجة إلى ثقافة سياسية جديدة تعيد تعريف النجاح السياسي. فالنجاح الحقيقي لا يتمثل في الفوز بمنصب أو تشكيل حكومة فحسب، بل في بناء مؤسسات قوية، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز المواطنة، وتوفير بيئة مستقرة للأجيال القادمة.

إن الأحزاب التي تجعل السلطة هدفها الأول قد تحقق مكاسب سريعة، لكنها غالباً ما تخسر ثقة الناس على المدى البعيد. أما الأحزاب التي تجعل بناء الدولة هدفها الأول، فإنها تؤسس لمشروع قادر على الاستمرار والتطور حتى في أصعب الظروف.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه أي حزب على نفسه ليس: كيف نصل إلى السلطة؟ بل: ماذا سنفعل من أجل الدولة عندما نصل إليها؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد الفرق بين حزب يسعى إلى الحكم، وحزب يسعى إلى بناء وطن.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الصين تدعو لوقف الصراع الأمريكي الإيراني وفتح مضيق هرمز


.. نافذة تحليلية - دلالات صفقة القنابل الأمريكية الجديدة لإسرائ




.. صفقة ذخائر أميركية ضخمة لإسرائيل.. لماذا الآن؟ وأين ستستخدم؟


.. الدفاع المدني في غزة ينتشل 21 شهيدا من تحت أنقاض بناية السعا




.. نتنياهو يلوح بسحب الجنسية من المتهمين بتشويه سمعة الجيش الإس