الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


لَعْنَةُ -الْغُولَم-: كَيْفَ نَصْنَعُ آلِهَتَنَا البَشَرِيَّةَ ثُمَّ نَخْشَى نَقْدَهَا؟ (أوجلان نموذجاً)

دارا محمد حصري

2026 / 6 / 20
مواضيع وابحاث سياسية


لَعْنَةُ "الْغُولَم": كَيْفَ نَصْنَعُ آلِهَتَنَا البَشَرِيَّةَ ثُمَّ نَخْشَى نَقْدَهَا؟ (أوجلان نموذجاً)
​في الفولكلور والتصوف اليهودي القديم، تحضر أسطورة "الغولم" (Golem)؛ وهو كائن عملاق يُصنع من طين نهر فلتوفا، ويتم نفخ الحياة فيه عبر طقوس صوفية معقدة وكتابة كلمة "إيميت" (والتي تعني الحقيقة) على جبهته. كان الهدف من صنع الغولم نبيلاً في بدايته: حماية المجتمع في براغ من الاضطهاد والتهديدات الخارجية. لكن الأسطورة تنتهي دائماً بنهاية مأساوية؛ إذ يخرج الغولم عن سيطرة صانعه، ويتحول إلى كائن عنيف ومدمّر يفتقر إلى الروح والتمييز الأخلاقي، مما يضطر صانعه في النهاية إلى مسح الحرف الأول من جبهته لتتحول الكلمة إلى "ميت"، فيعود كائناً من طين.
​هذه الأسطورة ليست مجرد حكاية شعبية من القرون الوسطى، بل هي شيفرة فلسفية بليغة وصالحة للإسقاط على واقعنا الحديث. إنها تجسد بدقة كيف يصنع البشر بأيديهم "أصناماً فكرية أو سياسية"، ثم يضفون عليها هالة من العصمة والتقديس، ويرفعونها فوق النقد، حتى يظن الأتباع أن هذا الكائن المصنوع يمتلك وحده "العلم المطلق".
​صناعة "الأصنام البشرية" في العصر الحديث
​تبدأ الحكاية دائماً من رحم الحاجة والمظلومية. عندما يشعر مجتمع أو جماعة بالخطر والتهديد الوجودي، يبحثون عن "مخلّص". في هذه اللحظة، يتم نفخ الروح في قيادة كاريزمية أو رمز فكري. ومع مرور الوقت، وبسبب غياب ثقافة النقد، تتحول أفكار هذا الرمز ونظرياته إلى "كلمة السحر" التي لا تقبل النقاش.
​هنا تولد الكهنوتية الحديثة؛ حيث يُمنع نقد هذا الشخص، ويُعامل كلامه كحقيقة مطلقة. والمفارقة الأخطر هي أن هذا "الغولم البشري" عندما يُرفع فوق النقد، يفقد قدرته على المراجعة، ويتحول أتباعه إلى أدوات تنفذ الأوامر بشكل حرفي أعمى، وتصبح الطاعة المطلقة فضيلة، والنقد خيانة.
​الحالة الكوردية: أوجلان ومفارقة الغولم الذي ابتلع القضية
​إذا أردنا تطبيق هذا الإسقاط الفلسفي على الواقع السياسي المعاصر، فإن الحالة الكوردية وشخصية عبد الله أوجلان (مؤسس حزب العمال الكوردستاني) تمثل نموذجاً حياً وشديد الوضوح لـ "ظاهرة الغولم"، ولكن مع تحول أيديولوجي غريب جعل المخلوق ينقلب تماماً على الغاية التي صُنع من أجلها.
​التشكيل من طين المظلومية: وُلدت ظاهرة أوجلان في أواخر السبعينيات من رحم قمع تاريخي وإنكار وجودي قاسٍ تلوّع منه الشعب الكوردي. في تلك اللحظة، كان المجتمع بحاجة إلى قوة خارقة تردع الهجمات وتثبت الوجود، فتم "نفخ الروح" في قيادة أوجلان الكاريزمية كدرع حامٍ.
​المحرّك الحقيقي (القضية في خدمة الأيديولوجيا): هنا تكمن المفارقة الكبرى والأكثر مرارة؛ فأوجلان وأفكاره لم يعودوا في خدمة القضية الكوردية، بل تحولت القضية الكوردية وشعبها إلى حطب لتغذية "غولم" الأيديولوجيا الأوجلانية. لقد نصّب الرجل نفسه وأفكاره كطريق وحيد للخلاص ليس للكورد وحدهم، بل للبشرية جمعاء، ودخل في صراعات وحروب تصفوية ضد الجميع—بما في ذلك القوى والأطراف الكوردية الأخرى—لتثبيت وحدانية سلطته الفكرية والسياسية.
​مغالطة "تجاوز مفهوم الدولة": في غمرة هذا التقديس الأعمى، تجاوز الغولم الأوجلاني الطموح القومي الطبيعي للشعب الكوردي. ففي الوقت الذي تمتلك فيه جميع الشعوب المحيطة بالجغرافيا الكوردية دولاً كولونيالية أو قومية تحمي وجودها، خرج أوجلان بنظرية تعتبر "الدولة الوطنية شيئاً قديماً وبائداً ومصدراً للشرور"، مستبدلاً إياها بطروحات هلامية مثل "الأمة الديمقراطية" و"الكونفدرالية البيئية". هذا التنظير حرم الحراك الكوردي من بوصلته السياسية والواقعية، وحوّل دماء التضحيات الكردية من أجل كيان قومي مستقل إلى تجارب مختبرية لأفكار طوباوية ذات طابع أممي غريب عن واقع الشرق الأوسط الصعب.
​الرمز الذي تجاوز الصانع: تبلغ الأسطورة ذروتها في المفارقة الحالية؛ فرغم أن أوجلان مغيب جسدياً في سجن "إمرالي" منذ عام 1999، إلا أن "الغولم الرمزي" لم يمت، بل أصبح أقوى من أي وقت مضى. لقد استقل الرمز تماماً عن الإنسان؛ وباتت المنظومة السياسية المرتبطة به عاجزة عن إنتاج بديل واقعي أو مراجعة أطروحاته التي تخلت عن فكرة الدولة، لأن "إبطال سحر" أوجلان قد يعني – في نظر النخب المستفيدة وأتباعه المغيبين – انهيار الكيان بأكمله وعودته إلى الطين الأول.
​خاتمة: العبرة من مسح الحرف الأول
​إن العبرة الأهم من أسطورة الغولم، ومن إسقاطها على الحالة الكوردية وظواهر التقديس البشري، هي تحذيرنا من "خطورة فقدان السيطرة على ما نصنعه بأيدينا".
​إن الرغبة المشروعة في التحرر والحماية لا يجب أن تقود الشعوب إلى التنازل عن عقولها وحقها في المساءلة السياسية والواقعية. فبمجرد أن نرفع بشراً أو حزباً أو أيديولوجيا فوق النقد، فإننا نسلبهم بشريتهم ونحولهم إلى مسوخ تتغذى على طاعتنا العمياء، وتأخذنا إلى معارك أيديولوجية عدمية لا تخدم مصالحنا الوجودية.
​إن الشجاعة الحقيقية للشعوب الحية لا تكمن فقط في صناعة الرموز وقت الحاجة، بل في امتلاك الجرأة لمسح "حرف الألف" من جبهة الغولم عندما يضل الطريق ويتحول إلى خطر على صانعيه، وإعادته إلى حجمه الطبيعي كمنتج بشري قابل للصواب والخطأ، لأن الكمال والعلم المطلق لم يكن يوماً من صفات الطين.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سياق الحدث | تفاؤل بتفاهم واشنطن وطهران رغم التوتر بمضيق هرم


.. نافذة من طهران | هل تنجح الوساطة الباكستانية في جسر الفجوة ب




.. نافذة من أمريكا | تصعيد عسكري بمضيقي هرمز وباب المندب ورغبة


.. كولومبيا تعلن حالة الكوارث الوطنية بعد زلزال مدمر




.. ساعة حوار | مجتبى خامنئي يتحرك.. قادة جدد لحكم إيران