الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


في عيد الأب: لماذا قد يكون الأمان العاطفي أثمن من الثراء؟

عدي حاتم
صحفي وكاتب عراقي يعيش في المنفى

(Oday Hatem)

2026 / 6 / 21
حقوق الانسان


في كل عام، يأتي عيد الأب ليذكرنا بالدور العظيم الذي يؤديه الآباء في حياة أبنائهم. وغالبًا ما ينصرف الحديث في هذه المناسبة إلى ما يقدمه الأب من تضحيات مادية، وما يبذله من جهد لتأمين احتياجات أسرته وتوفير حياة كريمة لها. ولا شك أن هذا الدور بالغ الأهمية، فالأمن المادي يشكل أحد الأسس الضرورية لاستقرار الأسرة. لكن ثمة سؤال يستحق التأمل: ما الذي يحتاجه الطفل أكثر من أي شيء آخر كي ينمو إنسانًا متوازنًا وقادرًا على النجاح في حياته؟
تشير عقود من الأبحاث النفسية إلى أن الجواب لا يقتصر على المال أو مستوى الدخل، بل يرتبط بدرجة أكبر بما يسمى "الأمان العاطفي". ذلك الشعور العميق الذي يمنح الطفل الإحساس بأنه محبوب، ومقبول، ومحمي، وأن هناك من يمكنه الاعتماد عليه في أوقات الخوف والضعف والارتباك.
منذ منتصف القرن العشرين، طور عالم النفس البريطاني جون بولبي "نظرية التعلق"، التي أصبحت واحدة من أكثر النظريات تأثيرًا في فهم النمو النفسي للأطفال. وتقوم هذه النظرية على فكرة بسيطة لكنها عميقة: الطفل يحتاج إلى علاقة مستقرة وآمنة مع أحد والديه أو مع من يرعاه لكي يطور شعورًا بالثقة تجاه نفسه والعالم من حوله.
لاحقًا، أثبتت الباحثة ماري أينسوورث من خلال دراساتها أن الأطفال الذين يتمتعون بعلاقة آمنة مع والديهم يكونون أكثر قدرة على الاستكشاف والتعلم والتكيف مع الضغوط الحياتية. أما الأطفال الذين يفتقدون هذا النوع من الارتباط العاطفي، فيكونون أكثر عرضة للقلق واضطرابات الثقة والصعوبات الاجتماعية في مراحل لاحقة من حياتهم.
هذه النتائج لا تعني أن المال غير مهم. فالفقر يمكن أن يترك آثارًا نفسية مؤلمة على الأطفال، بدءًا من الشعور بالحرمان وانتهاءً بالقلق الناتج عن عدم الاستقرار. كما أن الدراسات الاجتماعية تؤكد أن الضائقة الاقتصادية قد تزيد من الضغوط داخل الأسرة وتؤثر في الصحة النفسية للوالدين والأبناء على حد سواء.
لكن المفارقة التي تكشفها التجربة الإنسانية أن الفقر ليس العامل الوحيد، وربما ليس العامل الأكثر تأثيرًا في تشكيل شخصية الطفل. فهناك ملايين الأطفال الذين نشؤوا في ظروف مادية متواضعة، لكنهم وجدوا في منازلهم الحب، والدعم، والتشجيع والاحتواء. هؤلاء تمكنوا من بناء شخصيات قوية، وتجاوزوا الكثير من العقبات التي وضعتها الحياة في طريقهم.
وفي المقابل، هناك أطفال عاشوا في بيوت مرفهة، وتوفرت لهم أفضل المدارس وأحدث الأجهزة وأرقى وسائل الراحة، لكنهم افتقدوا الدفء العاطفي والاهتمام الحقيقي. بعضهم نشأ في أجواء من الصراع الدائم، أو الإهمال، أو القسوة النفسية، أو الغياب العاطفي للأب والأم. ورغم كل ما امتلكوه من امتيازات مادية، ظلوا يعانون من فراغ داخلي وشعور مزمن بعدم الأمان.
ولعل هذا ما يفسر لماذا لا توجد علاقة مباشرة بين الثروة والسعادة النفسية. فبحسب هرم الاحتياجات الذي وضعه عالم النفس أبراهام ماسلو، يحتاج الإنسان بعد تلبية احتياجاته الأساسية إلى الحب والانتماء والتقدير. وهذه الاحتياجات ليست كمالية أو ثانوية، بل تمثل جزءًا أساسيًا من البناء النفسي السليم.
في هذا السياق، يبرز دور الأب بوصفه أكثر من مجرد معيل للأسرة. فالأب ليس حسابًا مصرفيًا، ولا مصدرًا للدخل فحسب، بل هو أيضًا مصدر للحماية النفسية والشعور بالأمان. وجود أب يصغي إلى أبنائه، ويحترم مشاعرهم، ويشجعهم عند الفشل، ويشاركهم أفراحهم ومخاوفهم، يترك أثرًا قد يفوق في أهميته الكثير من الهدايا والممتلكات.
إن الطفل لا يتذكر في المستقبل قيمة الهاتف الذي اشتراه له والده، ولا ثمن الملابس التي ارتداها، بقدر ما يتذكر كيف كان يشعر عندما يجلس إلى جوار أبيه. يتذكر الكلمات التي منحته الثقة، والمواقف التي شعر فيها بأنه محبوب وغير مشروط، واللحظات التي أدرك فيها أن هناك من يؤمن به حتى عندما كان يشك في نفسه.
ومن منظور اجتماعي أوسع، فإن الأمان العاطفي داخل الأسرة لا يصنع أفرادًا أصحاء نفسيًا فحسب، بل يصنع مجتمعات أكثر استقرارًا. فالأطفال الذين ينشؤون في بيئات آمنة عاطفيًا يصبحون أكثر قدرة على بناء علاقات صحية، وأكثر استعدادًا للتعاون والثقة وتحمل المسؤولية. أما البيئات الأسرية المضطربة، فإن آثارها قد تمتد إلى المدرسة وسوق العمل والعلاقات الاجتماعية، بل وحتى إلى الأجيال التالية.
لذلك فإن الاحتفاء بالأب في عيده لا ينبغي أن يقتصر على تقدير جهوده الاقتصادية، مهما كانت عظيمة. بل يجب أن يشمل أيضًا تقدير ذلك الدور الصامت الذي لا يُقاس بالأرقام: "دوره في صناعة الأمان العاطفي داخل الأسرة".
نحن بحاجة إلى آباء يدركون أن نجاحهم لا يُقاس فقط بما يوفرونه من موارد، بل أيضًا بما يزرعونه من طمأنينة في نفوس أبنائهم، بحاجة إلى آباء يعرفون أن كلمة تشجيع في اللحظة المناسبة قد تغير حياة طفل، وأن حضنًا صادقًا قد يكون أكثر قيمة من هدية باهظة الثمن.
في عيد الأب، قد يكون من المناسب أن نتذكر حقيقة بسيطة تؤكدها الخبرة الإنسانية وتدعمها العلوم النفسية معًا: "المال يساعد الأطفال على العيش"، أما الحب والأمان العاطفي فيساعدانهم على أن يعيشوا حياة سوية، وبينما يبقى الفقر تحديًا ينبغي على المجتمعات مكافحته، فإن غياب الأمان العاطفي يظل من أخطر أشكال الحرمان التي قد يتعرض لها الطفل.
لهذا، فإن أعظم ميراث يمكن أن يتركه الأب لأبنائه ليس بالضرورة ثروة في البنك أو عقارًا في المستقبل، بل شعورًا راسخًا في قلوبهم بأنهم كانوا محبوبين، وآمنين، وجديرين بالثقة والحياة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مندوب السعودية بالأمم المتحدة: لن نتردد في ردع اعتداءات الحو


.. -جميعنا ضحايا هنا-.. شاهد كيف غيّر تدفق المهاجرين حياة سكان




.. مدير الإغاثة الطبية في غزة: تقليص الخدمات الصحية بالقطاع جرا


.. كواليس إعدام المتهم بإنهاء حياة 3 تجار سيارات في الواحات وإخ




.. أطفال الترند في اليمن يثيرون تساؤلات حول حقوق الطفل واستغلال