الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


كيف تحولت غزة والقضية الفلسطينية من مركز الأحداث في الشرق الأوسط إلى هامش الأجندات الدولية؟

مهند المدني
سياسي ليبرالي محافظ/ كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي

(Muhannad Al Madani)

2026 / 6 / 22
السياسة والعلاقات الدولية


من مركزية الصراع إلى هامش الأجندات: قراءة جيوسياسية من نافذة وعي أمارجي في تحولات القضية الفلسطينية ومشهد غزة الراهن.

مقدمة/ عقود طويلة شكّلت فيها القضية الفلسطينية (الرواية المركزية) والناظم الأساسي لمعادلات الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط. لم تكن القضية مجرد ملف حدودي أو نزاع إقليمي، بل كانت بمثابة (ميزان حرارة الاستقطاب الدولي) بين المعسكرين الشرقي والغربي، والرافعة الإيديولوجية والسياسية لأنظمة الحكم في المنطقة. ومع ذلك، يواجه الباحث في الشؤون الاستراتيجية اليوم مفارقة حادة، إذ يبدو أن هذا الملف قد أُزيح — هيكلياً وليس شعبياً — من صدارة الأولويات، ليتحول من (مركز الأحداث) إلى (هامش الأجندات الدولية).
تطرح هذه الدراسة قراءة تفكيكية في أسباب هذا التحول الاستراتيجي عبر عدسة الواقعية السياسية، لتبحث في أبعاد المتغير الميداني، وانتقال مركز الثقل الإقليمي، والتحولات الحاصلة في الأجندات الدولية والإعلامية.

1/الجغرافيا السياسية المعدلة وفلسفة الأمر الواقع:
تنص أدبيات الواقعية السياسية على أن الأرض هي المحدد الأساسي للقوة والمساومة السياسية. إن المتغير الميداني الراهن في قطاع غزة، والمتمثل في فرض سيطرة عسكرية إسرائيلية مباشرة على نحو 60% من مساحة القطاع — عبر هندسة المناطق العازلة ومحاور الفصل الاستراتيجية (مثل محوري نتساريم وفيلادلفيا) وتجريف الحواف — لا يمكن قراءة كل هذا كإجراء عسكري مؤقت، بل كإعادة صياغة بنيوية للجغرافيا السياسية للإقليم.
هذا القضم الجغرافي أدى إلى تفتيت (الكتلة الحرجة للقطاع) وتحويل ما تبقى منه إلى مجموعات معزولة تفقد مقومات الترابط والسيادة.
ومن منظور دولي، هذا الواقع المادي يعيد تعريف الأزمة ليتراجع سقف الطموح الدبلوماسي من البحث عن (حل الدولتين وتثبيت حق تقرير المصير) إلى (إدارة المجموعات المعزولة وتعديل خطوط السيطرة النارية). وبذلك، ينجح هذا المخطط في تحويل القضية الفلسطينية من أفقها السياسي التحرري إلى ملف أمني وإنساني روتيني يُدار عبر المساعدات وإعاشة النازحين، وهو ما يمثل أولى خطوات التهميش الهيكلي.

2/إعادة ترتيب التهديدات وانتقال مركز الثقل الإقليمي:
تتحرك الأجندات الدولية وفقاً لتراتبية الأخطار الأكثر تهديداً للمصالح الحيوية. لعقود مضت كان النظام الإقليمي يرى في غياب حل للقضية الفلسطينية مهدداً وجودياً للاستقرار. أما اليوم، فقد أفرزت الديناميكيات الإقليمية ملفات بديلة حازت على الصدارة:
أ- معادلة المواجهة المباشرة (المركز والأطراف):
في الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى، جرى تصنيف الفصائل الفلسطينية لسنوات كـ (فاعلين من غير الدول) يتحركون ضمن شبكة إقليمية أوسع. عندما انتقل الصراع إلى طور المواجهة المباشرة مع إيران (كقوة إقليمية مركزية) وعلى جبهات تمتلك قدرات ردع استراتيجية أعقد (كالعمق اللبناني)، أما الآن تحولت غزة تلقائياً في حسابات التفاوض الدولي من (منبع للأزمة) إلى (جبهة ثانوية) يرتبط مصيرها بخرائط النفوذ الكبرى وقواعد الاشتباك الجديدة بين القوى الإقليمية الرئيسية.

ب- بروز الصراعات البينية العربية:
انشغال قوى إقليمية تقليدية بأزماتها الداخلية والقيود الاقتصادية والسياسية المترتبة على ذلك، لتتقلص قدرة (الرافع الإقليمي) على إبقاء الملف الفلسطيني في صدارة الحراك الدبلوماسي العالمي.

3/الجيواقتصاد والهروب نحو المشاريع المستقبلية:
يعيش الشرق الأوسط اليوم حالة انقسام بين نموذجين:
(نموذج الأزمات المستدامة المستنزفة) ونموذج (المشاريع الجيواقتصادية الضخمة) القائمة على الابتكار والتكنولوجيا وتحولات الطاقة في المنطقة.

واصبح المجتمع الدولي وبدافع من المصلحة البراغماتية يميل إلى الانخراط في البيئات التي تقدم شراكات استراتيجية وفرصاً استثمارية تسهم في صياغة النظام الاقتصادي العالمي الجديد. وهذا التباين خلق نوعاً من (الهروب الاستراتيجي) لدى صناع القرار الدوليين ،حيث يُنظر إلى ملف غزة بوصفه (ثقباً أسود) يستنزف الجهود الدبلوماسية بلا أفق سياسي، مما دفع نحو تسريع مسارات الشراكات الإقليمية العابرة للأزمات التقليدية، واعتبار القضية الفلسطينية ملفاً يمكن تأجيله أو احتواؤه دون أن يعطل حركة قطار التحديث الاقتصادي الإقليمي.

4/تسخير الإعلام الدولي لتطبيع الكارثة الإنسانية في غزة:
لا يمكن فصل التهميش السياسي عن التهميش الإعلامي. إن الانصراف شبه الكامل لوسائل الإعلام العالمية والصحف الفكرية نحو حرب روسيا وأوكرانيا، ورصد التحولات في المنطقة، أو الضربات المتبادلة بين إسرائيل وإيران، والإنشغال بالجنوب اللبناني، يتبع قانوناً إعلامياً وسياسياً صارماً: (الشاشة تتبع مصادر النفوذ والتهديد الاستراتيجي وليس الضحية)مع استمرار الصراع في غزة وتكرار مشاهد التدمير بذات الوتيرة وفي رقعة جغرافية محاصرة، تعرض الرأي العام الدولي لما يُعرف بـ (إجهاد التعاطف) وتحول الحدث إلى (روتين إخباري) يفقد القدرة على إحداث الصدمة أو الضغط على الحكومات. هذا الصمت أو التراجع الإعلامي يُعد أداة سياسية غير مباشرة، تمنح قوة الاحتلال المساحة الزمنية والميدانية لترسيخ وقائع جغرافية جديدة دون التعرض لضغط دبلوماسي حقيقي.

5/صراع القوى الكبرى وتراجع (الشرق الأوسط)في الأجندة الدولية:
على المستوى العالمي، يمر النظام الدولي بمرحلة إعادة تشكيل استراتيجي، فالولايات المتحدة والغرب يعيدون توجيه مواردهم العسكرية والسياسية نحو مناطق الصراع الجيوسياسي الحيوية لمستقبل الهيمنة العالمية: الحرب في شرق أوروبا (أوكرانيا)، والتنافس الاستراتيجي المحموم مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
في ظل هذه اللوحة المعقدة، تبنت واشنطن سياسة تقليل الخسائر في الشرق الأوسط والحفاظ على (الوضع الراهن) عوضاً عن المغامرة بطرح حلول سياسية كبرى ومكلفة، مما ساهم في عزل ملف غزة وحصره في زاوية (الإدارة الأمنية).

خاتمة واستشراف وعي امارجي:
إن تحول غزة والقضية الفلسطينية إلى هامش الأجندات الدولية ليس نتاج صدفة، إنما هو ثمرة استراتيجية و(إماتة سياسية ممنهجة) تعتمد على فك الارتباط بين عدالة القضية وموازين القوى الفاعلة على الأرض. لقد تحول القطاع بفعل الجغرافيا السياسية المعدلة، والتهميش الإعلامي، وصعود الملفات الإقليمية البديلة، من (لاعب يملك القدرة على فرض شروطه) إلى (موضوع جيو-عسكري مُدار من الخارج).
تضع هذه القراءة الواقعية النخب السياسية والفكرية الفلسطينية والعربية أمام استحقاق مصيري:
إن تكرار أدوات الخطاب الماضي والرهان على (العدالة الأخلاقية للقضية أو التعاطف الإنساني الدبلوماسي) لم يعد كافياً لكسر الطوق. وإن استعادة المركزية تتطلب ابتكار أدوات ضغط جيوسياسية واقتصادية جديدة تفرض القضية كعنصر لا يمكن تجاوزه في أي معادلة صياغة لمستقبل الشرق الأوسط، وبدون ذلك، ستبقى غزة رهينة سيناريو (الاحتواء الروتيني الدائم).








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. توجس آسيوي يدفَع مصافي الهند لتحركات استثنائية بسوق النفط


.. حصيلة قتلى جنوبي لبنان وخشية الأهالي من عودة الحرب




.. غارات بخان يونس وتصعيد إسرائيلي يواكب ضغوطاً أمريكية بالقاهر


.. الكفاءات البحرينية تقود جيلاً جديداً من العمل المصرفي بخبرات




.. تصعيد إسرائيلي خطير في جنوب لبنان.. هل تنهار المفاوضات؟ | #ا